بنغازي 07 سبتمبر 2026 (الأنباء الليبية) – مع بداية كل عام دراسي، تتجدد التساؤلات حول قيمة الرسوم الدراسية التي تفرضها مدارس القطاع الخاص، في ظل تفاوت ملحوظ في الأسعار من مؤسسة تعليمية إلى أخرى، واختلافها بحسب المرحلة الدراسية وطبيعة الخدمات التي تقدمها كل مدرسة.
هذا التفاوت يضع الأسر أمام التزامات مالية متزايدة، خاصة مع ارتفاع تكاليف التعليم والخدمات المرتبطة به، في وقت تبرر فيه إدارات المدارس تغير قيمة الرسوم بزيادة نفقات التشغيل، وارتفاع تكاليف المرتبات والإيجارات وغيرها من الالتزامات المالية التي تتحملها المؤسسات التعليمية.
وبين مبررات المدارس وقدرة الأسر على الوفاء بهذه الالتزامات، يبرز مستوى الخدمة التعليمية باعتباره أحد أبرز المعايير التي يرى أولياء الأمور ضرورة اعتمادها عند تحديد قيمة الرسوم، خصوصًا في المؤسسات التي تقدم خدمات إضافية إلى جانب العملية التعليمية، من بينها تدريس اللغات الأجنبية وتوفير النقل المدرسي.
وفي هذا السياق، رصدت وكالة الأنباء الليبية آراء عدد من أولياء الأمور حول قيمة الرسوم الدراسية ومستوى الخدمات المقدمة، وما إذا كانت الكلفة التي تتحملها الأسرة تتناسب مع جودة التعليم والخدمات التي تحصل عليها، لتبقى معادلة تحقيق تعليم جيد بتكلفة مناسبة محل نقاش مع انطلاق عام دراسي جديد.
ارتفاع التكاليف.. مبررات المدارس
أوضح رئيس مجلس إدارة مدرسة العماد الأول، عماد الجروشي، للأنباء الليبية، أن دخول مستثمرين إلى قطاع التعليم الخاص ساهم في ارتفاع الرسوم، معتبرًا أن بعض المؤسسات باتت تتعامل مع التعليم باعتباره نشاطًا ربحيًا، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الإيجارات ورواتب المعلمين.
وأشار الجروشي إلى أن هذه النفقات تنعكس على الرسوم التي يدفعها أولياء الأمور، لكنه أكد أن الأسرة ليست مضطرة لاختيار مدرسة مرتفعة الرسوم إذا لم يكن المستوى التعليمي الذي تقدمه متناسبًا مع القيمة المطلوبة.
ودعا إلى دعم الاستثمار في التعليم الخاص عبر توفير القروض والأراضي اللازمة لإنشاء مؤسسات تعليمية تستوفي المعايير والمواصفات المعتمدة، لافتًا إلى أن غالبية المدارس الخاصة تعمل في مبانٍ سكنية جرى تحويلها إلى مؤسسات تعليمية.

الالتزامات المالية ترفع الرسوم
من جهتها، أرجعت مديرة مدرسة السلفيوم، مبروكة منصور الشهيبي، ارتفاع الرسوم إلى زيادة الأعباء المالية وتكاليف التشغيل، وفي مقدمتها الالتزامات الضريبية ورسوم الضمان الاجتماعي، إضافة إلى تكاليف طباعة المناهج ونقلها.
وأوضحت أن الرسوم السابقة، التي كانت تتراوح بين ألف وخمسمئة وثلاثة آلاف دينار للطالب، لم تعد كافية لتغطية الحد الأدنى من احتياجات المدارس، خصوصًا ما يتعلق برواتب المعلمين، بما يضمن استقرارهم واستمرار العملية التعليمية.

الرسوم تصل إلى أربعة آلاف دينار
وقالت مديرة مدرسة أساس الاتحاد، سعاد بعيو، إن الرسوم الدراسية شهدت ارتفاعًا نسبيًا في مختلف المراحل مقارنة بالسنوات الماضية، لتتراوح حاليًا بين ألف وخمسمئة وأربعة آلاف دينار للطالب الواحد.
وأضافت أن المدارس الخاصة تواجه بدورها صعوبات في تحصيل الرسوم من بعض أولياء الأمور، الأمر الذي يدفع بعض الإدارات إلى تغطية مستحقات المعلمين من حسابات المدرسة، ولا سيما المعلمين غير المحليين.
وأعربت بعيو عن أسفها لوجود أولياء أمور لا يعودون لاستلام نتائج أبنائهم بسبب عدم سداد الأقساط، مشيرة إلى وجود عدد غير قليل من الشهادات الدراسية التي لم تُسلّم لأصحابها للسبب ذاته.
«الدليل الشامل» لتقييم المدارس
وفي إطار متابعة مستوى المؤسسات التعليمية الخاصة، أوضح مدير مكتب التعليم الخاص بمراقبة التربية والتعليم بنغازي، إدريس أجويلي، أن المكتب اعتمد آلية جديدة لمتابعة جودة التعليم، تقوم على الزيارات الميدانية واستخدام نماذج تقييم شاملة.
وقال أجويلي إن وحدة المتابعة والتفتيش شكلت لجانًا لتنفيذ زيارات دورية للمدارس الخاصة، إلى جانب اعتماد «الدليل الشامل» أو «التقييم الشامل»، الذي يتضمن نحو مئة نقطة لتقييم أداء المؤسسة التعليمية.
وبيّن أن التقييم يشمل جودة التعليم والمبنى المدرسي والسلامة المهنية ومصادر الطاقة البديلة، إضافة إلى كفاءة المعلم داخل الفصل الدراسي، بما يتيح قياس أداء المدارس وفق معايير محددة.

متابعة مستمرة للمعلمين
وكشف أجويلي عن التنسيق مع مكتب التفتيش التربوي لإنشاء مكاتب تفتيش تتولى الزيارات الميدانية للمؤسسات التعليمية، إلى جانب اعتماد وجود موجه داخل كل مدرسة لمتابعة المعلمين وتقييم أدائهم بصورة مستمرة، ومراجعة كراسات تحضير الدروس.
وأوضح أن هذه الإجراءات تأتي ضمن منظومة حوافز تهدف إلى اختيار أفضل معلم وأفضل مدير وأفضل مبنى مدرسي، مؤكدًا أن المنافسة بين المدارس الخاصة باتت تقوم على الجودة والسمعة التعليمية إلى جانب الجانب التجاري.
تحديات المباني والمرتبات
وأكد مسؤولون بمكتب التعليم الخاص في بنغازي أن المدارس الخاصة تواجه عددًا من التحديات التشغيلية، من أبرزها ارتفاع تكاليف المباني والإنشاءات، التي تتجاوز في بعض الحالات ثلاثين ألف دينار، إلى جانب أعباء الإيجارات والمرتبات.
وأشاروا إلى أن المكتب يشترط ضمن مستندات الترخيص تقديم عقود الإيجار وكشوف المرتبات، موضحين أن الظروف الاقتصادية الراهنة جعلت التزام بعض المؤسسات بالحد الأدنى للأجور أمرًا صعبًا، خاصة مع اعتماد عدد منها على نظام الحصة الدراسية وفق اتفاق مباشر بين إدارة المدرسة والمعلم.
منافسة على الكفاءات التعليمية
وتشهد المدارس الخاصة، وفق المسؤولين، منافسة متزايدة لاستقطاب الكفاءات التعليمية، ولا سيما في مواد الشهادتين الإعدادية والثانوية، حيث تلجأ بعض المؤسسات إلى الاستعانة بمعلمين وخبراء من ذوي الكفاءة مقابل مرتبات مرتفعة.
ولفت المسؤولون إلى أن بعض المعلمين أصبحوا يمثلون «علامة فارقة» في مجال التعليم الخاص بفضل اجتهادهم وعطائهم، الأمر الذي جعل الكادر التعليمي أحد عناصر المنافسة بين المدارس.
رقابة على المباني وتكريم الأفضل
وأوضح المسؤولون أن مكتب التعليم الخاص شكل لجانًا لمتابعة المباني والإنشاءات ورصد المخالفات، بالتوازي مع تكريم المؤسسات الملتزمة، كما جرى التعاون مع غرفة التجارة والصناعة لاعتماد جائزة سنوية لأفضل المدارس الخاصة.
وأشاروا إلى حصول عدد من مدارس بنغازي على شهادات «الأيزو»، معتبرين ذلك مؤشرًا على الجهود المبذولة لتطوير الأداء والارتقاء بمستوى العملية التعليمية.
بين الرسوم والجودة
وبين مبررات إدارات المدارس وارتفاع تكاليف التشغيل من جهة، وشكاوى أولياء الأمور وقدرتهم على تحمل الأعباء المالية من جهة أخرى، يبقى تحقيق التوازن بين كلفة التعليم الخاص وجودته التحدي الأبرز، بما يضمن أن تنعكس الرسوم الدراسية على مستوى التعليم والخدمات المقدمة للطلاب، دون أن تتجاوز قدرة الأسر على تحملها. (الأنباء الليبية) ص و.
تقرير: رقية ناصر