طرابلس 30 يوليو 2026 (الأنباء الليبية) – لم تعد أزمة انقطاع الكهرباء في ليبيا تقتصر على ساعات الظلام أو ارتفاع درجات الحرارة أو تعطل الأعمال اليومية، بل تجاوزت ذلك لتترك آثارا اجتماعية ونفسية واقتصادية عميقة ومدمرة باتت تهدد استقرار كثير من الأسر وبخاصة الفئات الهشة.
ومع الانقطاعات الطويلة وعودة التيار الكهربائي أحيانا بجهد منخفض أو مرتفع، تتعرض الأجهزة المنزلية للتلف، لتبدأ بعدها سلسلة من الأزمات التي قد تنتهي بخلافات عائلية حادة، وتنعكس آثارها على الأطفال قبل غيرهم.
ورصد محرر الشؤون المحلية لوكالة الأنباء الليبية (وال) الكثير من الأضرار الجانبية المصاحبة لأزمة انقطاع التيار الكهربائي في البلاد منها مضخات المياه المنزلية التي تُعد من أكثر الأجهزة عرضة للتلف، وهي ليست مجرد جهاز كهربائي يمكن الاستغناء عنه، بل أضحت تمثل شريان الحياة في كافة المنازل الليبية.
وأوضح المحرر أنه بسبب ضعف شبكات المياه العامة وتقادمها، يعتمد غالبية السكان على ضخ المياه إلى خزانات مثبتة فوق أسطح المنازل. وعندما تتوقف المضخة عن العمل، يتوقف معها وصول المياه إلى المنزل، لتصبح أبسط متطلبات الحياة اليومية، من الشرب والاستحمام والطهي والتنظيف، معاناة متجددة.
وتابع محرر الشؤون المحلية قصة إحدى الأسر التي تختصر حجم المأساة الاجتماعية التي عصفت بالمجتمع الليبي جراء هذه الأزمة المتفاقمة دون وجود أية حلول في الأفق القريب.
وبالفعل أدى ارتفاع مفاجئ في التيار الكهربائي بعد ساعات طويلة من الانقطاع إلى احتراق مضخة المياه الخاصة بالمنزل. وعندما نقلها رب الأسرة إلى أحد الفنيين لإصلاحها، جاء الرد صادما: المضخة تعرضت لتلف كامل، ولا سبيل لإصلاحها، والحل الوحيد هو شراء مضخة جديدة يبلغ ثمنها ما يقارب نصف راتبه الشهري.
وتابع المحرر أن المشكلة لم تتوقف عند هذا الحد، فذلك الراتب لم يكن متاحا أصلا بسبب أزمة السيولة التي تعانيها البلاد، واضطرار المواطنين إلى الانتظار أو تحمل تكاليف إضافية للحصول على أموالهم من السوق السوداء من خلال ما يُعرف محليا بعملية “الحرق”، حيث وجد الأب نفسه أمام معادلة قاسية، فشراء المضخة يعني التضحية بجزء كبير من احتياجات أطفاله الأربعة من الغذاء والدواء والمستلزمات الأساسية، بينما تأجيل شرائها يعني استمرار انقطاع المياه عن المنزل.
في خضم هذا الضغط المتواصل، تصاعدت الخلافات بين الزوجين. الزوجة، التي أصبحت تتحمل أعباء الحياة اليومية في منزل يخلو من المياه، طالبت زوجها بإيجاد حل سريع، بينما كان الزوج عاجزا عن توفير المال اللازم. ومع استمرار الأزمة، غادرت الزوجة إلى منزل أسرتها، مطالبة بالطلاق بعدما رأت أن الحياة أصبحت لا تطاق.
واستطرد المحرر يقول: “رغم أن هذه القصة تمثل حالة فردية، فإنها تكشف كيف يمكن لأزمة خدمية أن تمتد آثارها إلى العلاقات الأسرية. فالضغوط الاقتصادية المتراكمة، وانعدام الخدمات الأساسية، والشعور بالعجز أمام الاحتياجات اليومية، كلها عوامل تزيد من حدة التوتر داخل المنازل، خاصة في ظل غياب حلول سريعة أو شبكات دعم اجتماعي فعالة”.
وأكد أن تأثير هذه الأزمات لا يقتصر على الزوجين فقط، بل يمتد إلى الأطفال الذين يجدون أنفسهم وسط أجواء مشحونة بالمشكلات والخلافات. فالطفل الذي يشاهد والديه يتنازعان بسبب انقطاع الماء أو تلف جهاز منزلي، يعيش حالة من القلق وعدم الاستقرار قد تؤثر في سلوكه وشعوره بالأمان. كما أن تكرار انقطاع الكهرباء وحرمان الأسرة من وسائل الراحة الأساسية يزيد من الضغوط النفسية التي يعيشها الصغار في مرحلة يحتاجون فيها إلى بيئة مستقرة وآمنة.
وتشير دراسات اجتماعية ونفسية في سياقات مختلفة إلى أن الضغوط الاقتصادية الممتدة، عندما تقترن بتراجع الخدمات الأساسية، قد تؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر داخل الأسرة، وهو ما ينعكس على جودة العلاقات الأسرية وصحة أفرادها النفسية، خصوصا الأطفال. وفي الحالة الليبية، تتضاعف هذه الضغوط نتيجة تداخل الأزمات المعيشية، من الكهرباء والمياه إلى السيولة وارتفاع تكاليف المعيشة.
وشدد المحرر بناء على معايشته للواقع على أن المواطن لم يعد يخشى فقط ساعات انقطاع الكهرباء، بل أصبح يخشى لحظة عودتها، إذ قد تحمل معها خسارة جهاز منزلي جديد، أو فاتورة إصلاح تتجاوز قدرته المالية. وبين كل جهاز يتلف، تتآكل مدخرات الأسر، وتزداد الضغوط، وتتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية.
وخلص المحرر إلى أن أزمة الكهرباء ليست مجرد مسألة فنية تتعلق بإنتاج الطاقة أو توزيعها، بل أصبحت قضية تمس الأمن الاجتماعي والاستقرار الأسري وجودة الحياة. ولذلك فإن معالجة هذه الأزمة لا تعني فقط توفير التيار الكهربائي بصورة مستقرة، بل تشمل أيضا حماية المواطنين من تقلبات الجهد الكهربائي، وتعويض المتضررين عند الاقتضاء، وتحسين شبكات الخدمات الأساسية، لأن تكلفة استمرار الوضع الحالي لا تُقاس فقط بالأجهزة المحترقة، وإنما أيضا بالأسر التي تنهكها الضغوط، وبالأطفال الذين يدفعون ثمن أزمة لم يكونوا طرفا فيها. (الأنباء الليبية)