بنغازي 01 أغسطس 2026 (الأنباء الليبية) – دعت دراسة أكاديمية متخصصة إلى إعادة النظر في السياسة العقابية في ليبيا، مؤكدة أن العقوبات السالبة للحرية، ولا سيما قصيرة المدة، لم تعد تحقق الأهداف المرجوة في الردع والإصلاح وإعادة التأهيل، وأوصت بتبني منظومة حديثة للعقوبات البديلة تستند إلى التجارب المقارنة وتواكب التطورات التشريعية المعاصرة.
وجاءت هذه النتائج في دراسة بعنوان “العقوبات السالبة للحرية.. الواقع والمأمول” أعدتها الدكتورة فاطمة عمر المصري وهي قاضٍ بدرجة رئيس في محكمة استئناف بنغازي، وقدمت ضمن أعمال المؤتمر الدولي الأول للعدالة والإصلاح الذي عقد في بنغازي في الفترة من 28 إلى 30 يوليو 2026، حيث تناولت واقع العقوبات السالبة للحرية وآثارها القانونية والاجتماعية والاقتصادية، مع طرح رؤية لتطوير السياسة العقابية في التشريع الليبي.
وأوضحت الدراسة أن العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدة تمثل نحو 80 في المائة من الأحكام الجنائية في ليبيا، معتبرة أن هذا الواقع يستوجب إعادة تقييم جدوى هذا النوع من العقوبات، في ظل محدودية أثره في تحقيق الإصلاح وإعادة التأهيل، وما يترتب عليه من اكتظاظ داخل المؤسسات الإصلاحية وتحديات تؤثر في برامج الإصلاح.
واستشهدت الدراسة بمؤشرات دولية حول معدلات العود إلى الجريمة، مبينة أنها تبلغ نحو 75 في المائة في الولايات المتحدة و70 في المائة في فرنسا، معتبرة أن هذه المؤشرات تعكس الحاجة إلى تطوير فلسفة العقاب والانتقال من التركيز على العقوبات السالبة للحرية إلى توسيع نطاق البدائل العقابية والتدابير الإصلاحية.
كما أشارت إلى أن عدد السجناء في الولايات المتحدة ارتفع من نحو 200 ألف سجين عام 1972 إلى 1.3 مليون سجين عام 2000، وهو ما اعتبرته دليلاً على أن التوسع في استخدام عقوبة السجن لا يؤدي بالضرورة إلى خفض معدلات الجريمة، بل يفرض أعباء مالية وإدارية متزايدة على الدولة.
ورصدت الدراسة مجموعة من الآثار المترتبة على العقوبات السالبة للحرية، من بينها تفكك الروابط الأسرية، وصعوبة إعادة إدماج المفرج عنهم في المجتمع، وارتفاع كلفة إنشاء وإدارة المؤسسات الإصلاحية، فضلاً عن الآثار الناتجة عن الاكتظاظ داخل السجون وما يفرضه من تحديات على برامج الإصلاح والتأهيل.
وفي المقابل، استعرضت الدراسة عدداً من البدائل العقابية المطبقة في دول مختلفة، من بينها المراقبة الإلكترونية، والعمل للمنفعة العامة، والغرامة اليومية، ووقف تنفيذ العقوبة مع الوضع تحت الاختبار، مشيرة إلى أن تجربة المراقبة الإلكترونية في ولاية فلوريدا الأمريكية حققت وفراً في تكاليف التنفيذ بلغ 92.4 في المائة مقارنة بعقوبة السجن، فيما شكلت أحكام الغرامة اليومية في ألمانيا نحو 83.8 في المائة من إجمالي أحكام الإدانة عام 1991.
واعتبرت الدراسة أن التشريع الليبي ما يزال يفتقر إلى منظومة متكاملة للعقوبات البديلة، داعية إلى استحداث وظيفة قاضي تطبيق العقوبات للإشراف على تنفيذ الأحكام ومتابعة برامج الإصلاح والإفراج الشرطي، بما يعزز كفاءة السياسة العقابية ويواكب التطورات الحديثة في العدالة الجنائية.
كما أوصت الباحثة بإقرار تشريعات تنظم تطبيق العقوبات البديلة، والحد من اللجوء إلى الحبس الاحتياطي وجعله إجراءً استثنائياً، واعتماد التصنيف العلمي للنزلاء داخل المؤسسات الإصلاحية، وتطوير برامج التعليم والتدريب المهني، وإنشاء آليات لرعاية المفرج عنهم وأسرهم، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية العقوبات البديلة ودورها في الحد من العود إلى الجريمة.
وخلصت الدراسة إلى أن تطوير السياسة العقابية في ليبيا يتطلب تبني مقاربة متوازنة تجمع بين حماية المجتمع وتحقيق الردع من جهة، وتعزيز الإصلاح وإعادة التأهيل وإعادة الإدماج من جهة أخرى، بما يسهم في بناء منظومة عدالة جنائية أكثر كفاءة واستدامة، ويخفض الأعباء الاجتماعية والاقتصادية المترتبة على العقوبات السالبة للحرية. (الأنباء الليبية)