بنغازي 5 نوفمبر 2026 (الأنباء الليبية)- من حكايات الجدات ومجالس القرية المسائية، بدأت ملامح العالم الروائي تتشكل في ذاكرة الكاتب الدكتور صالح السنوسي، قبل أن تمتد رحلته الإبداعية إلى فضاءات بعيدة، حمل إليها شخصياته وأسئلته عن الإنسان والمجتمع والاغتراب.
وبين البدايات الأولى وتجربة الحياة في فرنسا، استعاد السنوسي محطات من مسيرته الأدبية والفكرية خلال لقاء حواري احتضنته الدورة الخامسة لمعرض بنغازي الدولي للكتاب، وأداره علاء بن دردف.
لم تكن علاقة السنوسي بالرواية وليدة مرحلة متأخرة من تجربته، فقد عادت به الذاكرة إلى سنوات الدراسة الإعدادية، وتحديداً إلى السنة الثانية، حين شرع في كتابة عمل تخيله رواية منذ البداية، متجاوزاً المسار الشائع لدى كثير من الأدباء الذين يبدأون بالقصة القصيرة قبل الانتقال إلى الرواية.
واستعاد الكاتب تلك المحاولة الأولى، مشيراً إلى أنه لا يزال يحتفظ بمخطوطها، ويعود إليه من حين إلى آخر، لا بوصفه نصاً أدبياً فحسب، بل باعتباره نافذة تطل على طريقة تفكيره في تلك المرحلة، وكيف كان يرى العالم ويرسم شخصياته.
ورغم ما شاب التجربة من قصور فني بحكم حداثة السن، فإنه وجد فيها ملامح بناء روائي واضح، له بداية ونهاية ونسيج حكائي متماسك.
وفي حديثه عن منابع الخيال، منح السنوسي الذاكرة الاجتماعية مكانة خاصة في تكوين تجربته، مستحضراً بيئة القرية بما تحمله من حكايات متوارثة، وروايات ترويها الجدات والرجال، وأحاديث كانت تمتد في المجالس المسائية.
هناك، في التفاصيل البسيطة التي قد تبدو عابرة، وجد الكاتب مادة أولى للحكاية، ومخزوناً من الشخصيات والأحداث التي ظلت حاضرة في خياله، حتى تحولت إلى ملامح في عالمه الروائي.
من القرية إلى الغربة
ومن القرية التي شكلت بدايات وعيه بالحكاية، انتقل الحوار إلى سنوات إقامته الطويلة في فرنسا، وما أضافته تجربة الاغتراب إلى رؤيته الأدبية والإنسانية.
وأوضح السنوسي أن أثر تلك السنوات لم ينحصر في المكان الفرنسي وحده، بل امتد إلى فضاء غربي أوسع، أتاح له الاحتكاك بمجتمعات وثقافات مختلفة، ومراقبة الإنسان وهو يعيد ترتيب حياته في بيئات مغايرة لبيئته الأصلية.
واستحضر في هذا السياق روايتي “لقاء على الجسر القديم” و”غداً تزورنا الخيول”، التي تدور أحداثها في مدينة ديجون، إلى جانب رواية “سيرة آخر بني هلال”، بوصفها نماذج تناولت تجربة الإنسان العربي في المهجر، وانتقاله بين عوالم اجتماعية وثقافية مختلفة.
ولم يكن اهتمامه منصباً على المكان بوصفه خلفية للأحداث فحسب، بل على ما يتركه الانتقال من أثر في الشخصيات، وما يطرأ على سلوكها وتفكيرها حين تواجه مجتمعاً جديداً وتعيد اكتشاف ذاتها فيه.
وبالنسبة إلى السنوسي، لا تنحصر الشخصية الروائية في حدود جغرافية أو هوية مكانية ضيقة؛ فهي، في جوهرها، تعبير عن الإنسان في مواجهة التحولات الاجتماعية والسياسية والإنسانية، وعن الأسئلة التي تظل قائمة حتى عندما تتغير الأمكنة والظروف. لذلك تتجاوز بعض أعماله الفضاء الذي تجري فيه الأحداث، لتلامس تجارب إنسانية أوسع.
وتوقف الحوار عند الصلة بين الكتابة الفكرية والعمل الروائي، في تجربة تتنوع بين الأدب والفكر والقانون والسياسة والمقالة. وفي هذا الجانب، رأى السنوسي أن الرواية تمنح الكاتب مساحة أرحب للتعامل مع الواقع، فلا يكتفي بنقله كما هو، وإنما يعيد تشكيله وفق رؤيته، ويتحكم في مسارات الأحداث والشخصيات والأفكار، ليصوغ عالماً موازياً يعبر عما يراه وما يتمنى أن يكون عليه العالم.
وبين مخطوط احتفظ به من سنوات الدراسة، وحكايات القرية التي لم تغادر ذاكرته، ومدن أوروبية احتضنت جانباً من رحلته، بدت تجربة السنوسي شاهداً على أن الرواية لا تبدأ دائماً من حدث استثنائي؛ فقد تنشأ من حكاية عائلية، أو مشهد عابر في مجلس، أو سؤال يرافق الإنسان في غربته، ثم تنمو مع الزمن لتصبح عالماً أدبياً تتقاطع فيه الذاكرة بالخيال، والمكان بالتجربة الإنسانية. (الأنباء الليبية) ك و
متابعة: مصطفى بوغرارة وعبدالسلام المشيطي
تصوير: ناصر الحاسي
