طرابلس 20 أكتوبر 2026 (الأنباء الليبية) – دعا مدير دار الجابر للطباعة والنشر، علي عمر جابر، إلى تبني سياسة وطنية متكاملة لدعم الكتاب وصناعة النشر في ليبيا، تقوم على توفير بيئة ملائمة لاستمرار دور النشر، وتطوير آليات التوزيع والتسويق، وتعزيز حضور الكتاب في المؤسسات التعليمية والثقافية، محذرًا من اتساع الفجوة بين الخطاب الذي يؤكد أهمية الثقافة والممارسات التي تحد من قدرتها على الاستمرار.
وقال جابر، في مقال نشره موقع صحيفة «الديوان الثقافي» بعنوان «هل بقي مكان للكتاب؟ هموم الناشر الذي أمضى عمره في خدمة الثقافة»، إن التحديات التي تواجه الناشرين لا تقتصر على طباعة الكتب وإصدارها، بل تمتد إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، وصعوبات التوزيع والتسويق، وضعف القدرة الشرائية للقراء، ومحدودية منافذ بيع الكتب، الأمر الذي يجعل استمرار دور النشر مهمة شاقة، خصوصًا في ظل محدودية الإمكانات.
وأوضح أن دور الناشر يتجاوز الجانب التجاري، إذ يتولى تحويل المخطوطات إلى إصدارات متاحة للقراء، ويتحمل تكاليف التحرير والتصحيح والتصميم والطباعة قبل تحقيق أي عائد، فضلًا عن المخاطر المالية المرتبطة بتسويق الكتب وتوزيعها، والمحافظة على حقوق المؤلفين وجودة المحتوى.
وأضاف أن بعض الناشرين يضطرون إلى أداء مهام متعددة في ظل محدودية الموارد، فيما قد يتعذر وصول الكتب إلى جمهورها المستهدف، ليس بالضرورة بسبب ضعف محتواها، وإنما نتيجة قصور منظومة التوزيع والتسويق وعدم توافر قنوات كافية تربط دور النشر بالقراء.
وأشار جابر إلى أن تنظيم معارض الكتب والاحتفاء بالمناسبات الثقافية، على أهميتهما، لا يكفيان وحدهما لبناء سياسة ثقافية مستدامة، ما لم تقترن هذه الأنشطة بإجراءات عملية تدعم صناعة الكتاب وتوفر فرصًا عادلة لاستمرار المؤسسات العاملة فيها.
وشدد على أن التحولات الرقمية وتعدد مصادر المعلومات لا ينتقصان من أهمية الكتاب، بل يزيدان الحاجة إلى النشر المسؤول والتحرير الجيد والمحتوى الموثوق، مؤكدًا ضرورة تطوير أدوات الإنتاج والتسويق ومواكبة التغيرات في عادات القراءة ووسائل الوصول إلى المعرفة.
وطرح جابر مجموعة من المقترحات، في مقدمتها وضع سياسة وطنية واضحة للكتاب والنشر تشمل مختلف مراحل الصناعة، من المخطوط إلى القارئ، وتخصيص برامج لاقتناء إصدارات دور النشر المحلية وتزويد مكتبات المدارس والجامعات والبلديات والمكتبات العامة بها، وفق معايير معلنة تضمن الجودة والشفافية وتكافؤ الفرص.
كما دعا إلى تطوير منظومة توزيع الكتب وتسويقها، وتشجيع التحول الرقمي مع حماية حقوق المؤلفين والناشرين، وتوسيع فرص مشاركة دور النشر الليبية في المعارض داخل البلاد وخارجها، إلى جانب بناء شراكات عملية بين الناشرين والمؤسسات التعليمية والجامعات والهيئات الثقافية.
وأكد أن مسؤولية النهوض بصناعة النشر لا تقع على الدولة وحدها، إذ يتعين على دور النشر أيضًا تطوير إدارتها، وتحسين جودة إنتاجها، وتجديد أساليب عملها، وتعزيز علاقتها بالقراء، غير أن تحقيق الاستدامة يظل مرهونًا بتكامل الأدوار بين المؤسسات العامة والقطاع الثقافي والناشرين.
ويأتي طرح هذه القضية بالتزامن مع اقتراب اختتام معرض النيابة العامة الدولي للكتاب في طرابلس، والاستعدادات الجارية لافتتاح معرض بنغازي الدولي للكتاب مطلع نوفمبر المقبل، وهما مناسبتان تتيحان فرصة لتوسيع النقاش حول واقع صناعة الكتاب في ليبيا، ومدى قدرة المعارض على تجاوز دورها الموسمي لتصبح جزءًا من منظومة مستمرة لدعم القراءة والنشر.
واختتم جابر مقاله بالتأكيد على أن سنوات العمل في خدمة الكتاب، وما أتاحته من فرص للمؤلفين لنشر أعمالهم ووصولها إلى القراء، تمثل حصيلة ثقافية لا يمكن اختزالها في حسابات الربح والخسارة، مشددًا على أن الاعتزاز بهذه التجربة لا ينبغي أن يعني القبول باستمرار الصعوبات التي تواجه الناشرين.
وخلص إلى أن الحفاظ على مكانة الكتاب لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل بسياسات وقرارات وموازنات ومشروعات مستمرة، تضمن للناشر فرصًا عادلة للاستمرار، وتتيح للقارئ الوصول إلى المعرفة، وتجعل الثقافة جزءًا ثابتًا من أولويات المجتمع ومؤسساته. (الأنباء الليبية – طرابلس) أ د