طرابلس 20 أكتوبر 2026 (الأنباء الليبية) – أكدت المهندسة والباحثة الليبية في التراث والصناعات التقليدية، آسيا الشقروني، أن عادات الأعراس الليبية تمثل ذاكرة ثقافية مشتركة بين الليبيين، ومكونًا حيًا من مكونات الهوية الوطنية، داعية إلى توثيق هذا الموروث وصونه من الاندثار، في ظل شح المصادر المكتوبة، وغياب قاعدة بيانات وطنية شاملة، وتراجع بعض الحرف والفنون التقليدية.
جاء ذلك خلال لقاء أجرته وكالة الأنباء الليبية مع الشقروني، على هامش معرض النيابة العامة الدولي للكتاب بطرابلس، حيث أوضحت أن بحثها في عادات الأعراس استهدف رصد أوجه التشابه والاختلاف بين المناطق، والكشف عن الرموز والدلالات التاريخية والاجتماعية الكامنة وراء الممارسات التي لا يزال كثيرون يحرصون عليها، دون معرفة أصولها أو الغايات التي ارتبطت بها.
وأشارت إلى أن عملها البحثي واجه نقصًا واضحًا في المصادر والمراجع المتاحة، ما دفعها إلى الاعتماد على المقابلات الشخصية والاستبيانات لجمع المعلومات وتوثيق العادات، في محاولة لإعادة قراءة هذا الموروث وفهم جذوره، بدلًا من الاكتفاء بالنظر إليه بوصفه مظاهر احتفالية متوارثة.
العرس الليبي.. قاسم ثقافي مشترك
وترى الشقروني أن العادات المرتبطة بالأعراس، رغم اختلاف طرق ممارستها من منطقة إلى أخرى، تكشف عن مساحة واسعة من التقارب بين الليبيين، إذ يمكن للمتابع التعرف على ملامح العرس الليبي، سواء أقيم في غدامس أو يفرن أو بنغازي أو طرابلس، بما يحمله من خصوصية محلية وعناصر ثقافية مشتركة.
واعتبرت أن إبراز هذه المشتركات يكتسب أهمية خاصة في ظل الانقسامات السياسية والاجتماعية التي شهدتها البلاد، لأن التراث لا يقتصر على استعادة الماضي، بل يمكن أن يؤدي دورًا في تعزيز الانتماء الوطني، وإعادة اكتشاف الروابط الإنسانية والثقافية التي تجمع المجتمع.
ودعت إلى الاهتمام بتوثيق عادات الأعراس وإحيائها من خلال المحاكاة والعروض التراثية والمهرجانات، مع الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزيونية للوصول إلى شرائح أوسع من الجمهور، ولا سيما الأجيال الجديدة، بما يعزز التعارف بين المناطق ويعيد وصل الحاضر بذاكرة الآباء والأجداد.
الأصالة لا تتعارض مع التجديد
وفيما يتعلق بعلاقة التراث بالتحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة، أكدت الشقروني أن الحفاظ على الموروث لا يعني رفض الحداثة أو تجميد العادات في صورتها القديمة، موضحة أن التجربة والخبرة جعلتاها أكثر تقبلًا للتجديد الذي لا يمس جوهر العادة وأصالتها.
وأضافت أن الأزياء التقليدية والأغاني والممارسات الاجتماعية يمكن أن تتطور في أشكالها وألوانها وتفاصيلها، دون أن تفقد قيمتها الثقافية، ما دام التطوير لا يلغي العناصر التي تمنحها خصوصيتها وهويتها.
ولفتت إلى أن الأجيال الجديدة لا تزال تبدي اهتمامًا ملحوظًا باللباس التقليدي والعادات الاجتماعية المرتبطة بالمناسبات، بل إن بعض الشباب باتوا ينظرون إليها باعتبارها مصدرًا للفخر والتميز الثقافي. ورأت أن هذا الاهتمام يمثل فرصة ينبغي البناء عليها، من خلال نقل التراث من حدود الممارسة الفردية والعائلية إلى برامج أوسع للتوثيق والتعليم والتعريف.
حرف مهددة بالاندثار ومصادر آخذة في التراجع
وحذرت الباحثة من أن عددًا من عناصر التراث اللامادي والصناعات التقليدية يواجه خطر التراجع والاندثار، مشيرة إلى أن بعض الفنون الغنائية المحلية في المنطقة الغربية باتت مهددة بفعل تقلص أعداد العارفين بها، وغياب الورش التي تتيح للأجيال الجديدة تعلمها وممارستها.
كما نبهت إلى تراجع بعض الحرف التقليدية، ومن بينها صناعة الأزياء والمستلزمات التراثية، نتيجة صعوبة العمل وارتفاع تكلفته، إلى جانب تقلص أعداد الحرفيين القادرين على ممارستها ونقل أسرارها إلى المتعلمين الجدد.
وأكدت أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى فقدان معارف ومهارات لا يمكن استعادتها بسهولة بعد رحيل أصحابها، خاصة في ظل اعتماد جانب كبير من التراث على الذاكرة الشفهية والخبرة العملية المتوارثة.
وشددت على مسؤولية الجهات المعنية في دعم الحرفيين، وتشجيع إنشاء الورش التدريبية، وتوفير فرص لتسويق منتجاتهم، بما يساعد على استمرار هذه الصناعات بوصفها جزءًا من الهوية الثقافية ومصدرًا محتملًا للدخل وفرص العمل.
التوثيق.. مهمة لا تحتمل التأجيل
وأشارت الشقروني إلى عدم وجود قاعدة بيانات وطنية شاملة لحصر عناصر التراث اللامادي الليبي وتوثيقها، معتبرة أن هذا النقص يمثل إحدى أبرز العقبات أمام الباحثين والمهتمين بهذا المجال.
وقالت إن الكتب والدراسات المتاحة عن العادات والتقاليد لا تزال شحيحة، في وقت يتناقص فيه عدد كبار السن والرواة الذين يحتفظون بتفاصيل دقيقة عن الممارسات القديمة ودلالاتها، وهو ما يجعل الإسراع في جمع هذه الشهادات وتوثيقها ضرورة ثقافية وعلمية لا تحتمل التأجيل.
وأضافت أن مسؤولية حماية التراث تتوزع بين المؤسسات الرسمية، وفي مقدمتها الجهات المعنية بالثقافة والسياحة، والجامعات ومراكز البحث العلمي، والمؤسسات الإعلامية، إلى جانب الأفراد والمهتمين الذين يعملون بمبادرات شخصية. غير أنها أكدت أن هذه الجهود تحتاج إلى مظلة مؤسسية تتولى تنظيمها وتطويرها، وتوفير الدعم اللازم لها، بدلًا من بقائها مبادرات متفرقة تعتمد على اجتهادات أصحابها.
وأوضحت أن المهرجانات والاحتفالات الشعبية يمكن أن تسهم في التعريف بالموروث وإبراز تنوعه، لكنها لا تكفي وحدها لضمان استمراره، إذ يتطلب الأمر عملًا علميًا منظمًا يشمل جمع الروايات الشفهية، وتسجيل الأغاني والممارسات، وتوثيق الأزياء والحرف بالصور والمواد المرئية، وإعداد دراسات وكتب تكون متاحة للباحثين والمهتمين.
التكنولوجيا في خدمة الذاكرة الثقافية
ولفتت الشقروني إلى إمكانات التكنولوجيا الحديثة في تسهيل عمليات جمع المعلومات وتوثيقها، مستشهدة باستخدامها الاستبيانات في بحثها، ومشيرة إلى إمكان الاستفادة من الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي في تقديم بعض الممارسات التراثية بصيغ بصرية معاصرة، خاصة عندما يتعذر العثور على صور توثق عادات اندثرت أو تغيرت.
غير أن الاستفادة من هذه الأدوات في التوثيق العلمي تقتضي، بحسب الباحثة، التمييز بوضوح بين المواد الأصلية المسجلة والشهادات التاريخية الموثقة، وبين الصور أو المشاهد التي يعاد إنشاؤها باستخدام الذكاء الاصطناعي، حتى لا تختلط إعادة التمثيل بالتوثيق الفعلي، أو تتحول المعالجة التقنية إلى مصدر لمعلومات غير دقيقة عن الماضي.
وأكدت أن الكتاب والبحث العلمي يظلان من أهم وسائل حفظ التراث ونقل المعرفة المرتبطة به، وأن مشروع التوثيق يحتاج إلى دعم مؤسسي وتضافر جهود المجتمع، بالنظر إلى اتساع نطاقه وتنوع عناصره بين المناطق الليبية.
مشروع وطني لحماية الموروث
وتعيد هذه الرؤية طرح سؤال جوهري حول كيفية الانتقال من الاحتفاء الموسمي بالتراث الليبي إلى حمايته ضمن مشروع وطني مستدام، يقوم على حصر عناصره وتوثيقها، وإتاحتها للباحثين، وربطها بالبرامج التعليمية والإعلامية، وتوفير بيئة تضمن استمرار الحرف والفنون التي تحملها الأجيال المتعاقبة.
وفي ظل ما يواجهه التراث اللامادي من تحديات، تبدو الحاجة ملحة إلى مبادرة وطنية تجمع جهود المؤسسات الثقافية والعلمية والإعلامية، وتستفيد من خبرات الباحثين والحرفيين والرواة، قبل أن تضيع جوانب من الذاكرة الجماعية برحيل من يحملونها.
ومن هنا، تتجاوز أهمية الحديث عن العرس الليبي وعاداته حدود المناسبة الاجتماعية، لتصبح مدخلًا إلى قضية أوسع تتعلق بصون الذاكرة الوطنية، وإبراز التنوع الثقافي الليبي بوصفه مصدر غنى وتكامل، لا سببًا للاختلاف والتباعد.
ويتيح معرض النيابة العامة الدولي للكتاب بطرابلس، من خلال فعالياته الثقافية والفكرية، مساحة لإثارة هذه القضايا وتسليط الضوء على جهود الباحثين والمهتمين بالتراث، بما يعزز الوعي بأهمية تحويل الموروث من ذاكرة مهددة بالنسيان إلى معرفة موثقة ومتاحة للأجيال القادمة.
(الأنباء الليبية – طرابلس) أ د