بنغازي 15 سبتمبر 2026 (الأنباء الليبية)- يضع ملف دعم المحروقات في ليبيا أمام معادلة اقتصادية واجتماعية متشابكة، بين كلفة تتحملها المالية العامة للحفاظ على أسعار منخفضة، ومخاوف من تأثير أي تعديل للأسعار على تكاليف النقل والسلع والخدمات ومستويات معيشة المواطنين.
ويرى مختصون أن معالجة الملف لا ترتبط بتغيير الأسعار وحده، وإنما تتطلب النظر في كفاءة منظومة الاستيراد والتوزيع والرقابة، إلى جانب مراعاة القدرة الشرائية للمواطنين وتوفير آليات للحماية الاجتماعية في حال إدخال أي تعديلات.
حماية القوة الشرائية أولوية
ويرى رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي، الدكتور حلمي القماطي، أن أي تحريك لأسعار البنزين والديزل سينعكس مباشرة على تكاليف النقل، قبل أن يمتد أثره إلى أسعار السلع والخدمات الأساسية.
ويؤكد القماطي أن أصحاب الدخول المنخفضة والثابتة سيكونون الأكثر تأثرًا بأي زيادة في أسعار الوقود، مشددًا على أن “حماية القوة الشرائية للمواطن يجب أن تكون الركيزة الأساسية في أي معالجة حكومية”.
ويشير هذا الطرح إلى أن أي معالجة للمنظومة لا يمكن فصلها عن آثارها الاجتماعية، خصوصًا في ظل ارتباط أسعار الوقود بتكاليف التنقل والنقل والخدمات والعديد من الأنشطة الاقتصادية.
السعر المحلي.. فجوة واسعة مع الأسعار العالمية
وتظهر بيانات سوق التجزئة حجم الفارق بين السعر المحلي والأسعار العالمية؛ فوفقًا لبيانات موقع “غلوبال بترول برايسز” الصادرة في 7 سبتمبر 2026، يبلغ سعر لتر بنزين أوكتان 95 في ليبيا 0.150 دينار، أي نحو 0.024 دولار، مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ نحو 1.56 دولار للتر، أو قرابة 9.86 دينار بالسعر الرسمي.
ويعادل السعر المحلي بذلك نحو 1.5 بالمئة من متوسط السعر العالمي، مع الأخذ في الاعتبار أن المقارنة لا تعكس بصورة مباشرة قيمة الدعم لكل لتر، بسبب اختلاف الضرائب والرسوم وتكاليف الاستيراد والنقل والتوزيع بين الدول.
الإصلاح يبدأ من المنظومة
وفي المقابل، يرى الخبير الاقتصادي ونائب وزير المالية السابق، إدريس الشريف، أن معالجة دعم المحروقات ينبغي ألا تقتصر على مسألة تعديل الأسعار، معتبرًا أن جانبًا أساسيًا من المشكلة يرتبط بآليات الاستيراد والتوزيع والرقابة.
ويوضح الشريف أن الحد من الهدر والتهريب وإغلاق منافذ الفساد يمثل خطوة أساسية في إصلاح المنظومة، مؤكدًا أن معالجة الاختلالات المؤسسية يجب أن ترافق، أو تسبق، أي نقاش حول تغيير الأسعار، حتى لا يتحمل المواطن كلفة مشكلات مرتبطة بالإدارة والرقابة.
ويضع هذا الطرح كفاءة المنظومة في صلب النقاش، بدءًا من استيراد الوقود وصولًا إلى توزيعه في السوق المحلية، وما يرتبط بذلك من رقابة على عمليات التوزيع والحد من التسرب والتهريب.
الإنفاق العام.. كلفة متعددة البنود
وتظهر بيانات مصرف ليبيا المركزي للفترة من الأول من يناير إلى 31 أغسطس 2026 أن إنفاق الباب الرابع، المخصص للدعم، بلغ نحو 11.8 مليار دينار من إجمالي إنفاق عام قدره 68.6 مليار دينار خلال الفترة نفسها.
ولا يقتصر هذا البند على المحروقات، إذ يشمل كذلك دعم الأدوية والمستلزمات الطبية، وعلاوة الزوجة والأبناء، ومرتبات بعض الجهات العامة، ما يعني أن إجمالي الباب الرابع لا يمثل بصورة مباشرة كلفة دعم الوقود وحده.
كما أظهرت بيانات المصرف المركزي تسجيل إيرادات بيع المحروقات محليًا عند مستوى صفر خلال الفترة ذاتها.
كلفة الطاقة في الاقتصاد
وعلى مستوى الاقتصاد الكلي، تقدر مشاورات صندوق النقد الدولي لعام 2026 أن دعم الطاقة في ليبيا يعادل نحو 20 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة مرتفعة، فيما تقترب فاتورة الأجور من 30 بالمئة من الناتج.
وكان صندوق النقد قد أشار في تقديرات سابقة إلى أن إجمالي كلفة دعم الطاقة في ليبيا يصل إلى نحو 17 مليار دولار سنويًا، ويشمل دعم وقود توليد الكهرباء والنفط الخام المكرر محليًا والغاز، من بينها نحو 9 مليارات دولار مخصصة لواردات الوقود.
وتعكس هذه التقديرات اتساع ملف دعم الطاقة مقارنة بحجم الاقتصاد، لكنها لا تلغي في المقابل الاعتبارات الاجتماعية المرتبطة بأي تغيير محتمل في الأسعار.
معادلة بين الإصلاح والحماية
وتتفق قراءتا القماطي والشريف، رغم اختلاف زاويتيهما، على أن معالجة ملف المحروقات تحتاج إلى إجراءات تتجاوز مسألة السعر وحدها؛ فبينما تبرز حماية القوة الشرائية للمواطن كأولوية اجتماعية، تبرز كفاءة الاستيراد والتوزيع والرقابة كعناصر أساسية في أي إصلاح للمنظومة.
وتبقى أمام صانع القرار معادلة دقيقة بين تحسين كفاءة الإنفاق وإدارة الموارد العامة من جهة، والحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن من جهة أخرى، بما يجعل أي تغيير في منظومة الدعم مرتبطًا بمدى القدرة على معالجة الاختلالات وتقليل الهدر، بالتوازي مع توفير إجراءات تحمي الفئات الأكثر تأثرًا بأي زيادة محتملة في أسعار الوقود. (الأنباء الليبية) ك و
تقرير: أحلام الجبالي