طرابلس 11 سبتمبر 2026 (الأنباء الليبية) – تشهد أزمة المحروقات في ليبيا انفراجة نسبية في توفر البنزين بعد أسابيع من الازدحام الشديد أمام محطات الوقود، في وقت تواصل فيه أزمة الديزل الضغط على قطاعات النقل والإنتاج والخدمات، لتكشف التطورات المتزامنة عن تحديات أوسع في منظومة تأمين وتوزيع المحروقات.
ويأتي ذلك في ظل اعتماد ليبيا بدرجة كبيرة على استيراد المنتجات النفطية المكررة لتلبية احتياجات السوق المحلية، إلى جانب تحديات مرتبطة بقدرات التكرير والتخزين، وتمويل الواردات، واختلالات التوزيع وتهريب الوقود المدعوم، وهي عوامل تجعل السوق المحلية عرضة لتكرار الاختناقات في الإمدادات.
وبحسب بيانات صندوق النقد الدولي، تغطي الواردات نحو 90 بالمئة من استهلاك البنزين و70 بالمئة من استهلاك الديزل في ليبيا، ما يجعل السوق المحلية أكثر تأثراً بأي اضطراب في التوريد أو التمويل أو حركة الشحن.
محدودية التكرير والاعتماد على الاستيراد
ويرتبط هذا الاعتماد بمحدودية قدرات التكرير المحلية مقارنة بحجم الطلب، إلى جانب تحديات فنية وأمنية أثرت خلال السنوات الماضية على بعض منشآت الإنتاج والتخزين.
وتعد مصفاة الزاوية من أبرز منشآت التكرير في البلاد، فيما شهدت المنطقة خلال الأشهر الماضية اضطرابات أمنية أثرت في انتظام بعض العمليات المرتبطة بالإمداد والتكرير.
وفي أغسطس الماضي، أدى حريق في مستودع الزاوية، بحسب شركة البريقة لتسويق النفط، إلى فقدان سعة تخزينية تقدر بنحو 13 مليون لتر من البنزين، قبل أن تعلن الشركة عودة المستودع إلى العمل.
وتعكس بيانات المؤسسة الوطنية للنفط حجم الاعتماد على الواردات؛ إذ بلغت القيمة التقديرية للمحروقات الموردة خلال يوليو الماضي نحو مليار و6 ملايين دولار، فيما تجاوز إجمالي الكميات الموزعة في السوق المحلية مليوناً و369 ألف طن متري.
التهريب واختلال التوزيع
ولا تقتصر تحديات المنظومة على الاستيراد، إذ يمثل تهريب الوقود المدعوم وتحويله عن مسارات التوزيع الرسمية أحد العوامل التي تؤثر في توافر المحروقات بالسوق المحلية.
وأشارت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه، خلال إحاطة أمام مجلس الأمن في يونيو الماضي، إلى أن نقص الوقود كشف مواطن ضعف في إدارة منظومة الدعم، وربطت جانباً من المشكلة باستمرار تهريب المنتجات النفطية المدعومة إلى خارج البلاد.
كما وثق تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بليبيا، الصادر في مارس 2026، استمرار صادرات غير مشروعة للمنتجات النفطية المكررة، محدداً ما لا يقل عن 50 ناقلة شاركت، منذ نوفمبر 2024، في عمليات نقل غير قانونية للديزل ومنتجات أخرى، بإجمالي بلغ نحو 992 ألفاً و636 طناً مترياً ضمن الرحلات التي تمكن الفريق من توثيقها.
ولا يمثل هذا الرقم تقديراً شاملاً لجميع عمليات التهريب، وإنما الكميات التي أمكن تحديدها خلال فترة الرصد.
التحقيقات القضائية
وامتد ملف توزيع المحروقات إلى التحقيقات القضائية، إذ أعلن مكتب النائب العام في يونيو الماضي حبس مسؤول المبيعات في شركة البريقة لتسويق النفط ومديري خمس شركات لتوزيع المحروقات احتياطياً على ذمة التحقيق في وقائع مرتبطة بتوزيع الوقود.
وشملت التحقيقات، بحسب المكتب، مخالفات تتعلق بصرف كميات لمحطات وأدوات توزيع بالمخالفة للضوابط، وتمكين جهات خاصة من الحصول على الوقود المدعوم دون استيفاء الإجراءات، إلى جانب وقائع مرتبطة بالتهريب.
كما وجهت سلطة التحقيق بوقف نشاط 36 أداة توزيع، مع استمرار الإجراءات بشأن الوقائع محل التحقيق، مع التأكيد على أن الحبس الاحتياطي لا يمثل حكماً بثبوت المسؤولية الجنائية.
التمويل بعد وقف مبادلة النفط بالوقود
وتبرز آلية تمويل الواردات كعامل آخر في انتظام الإمدادات، خصوصاً بعد توقف نظام مبادلة النفط الخام بالوقود.
وبحسب بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، توقفت معاملات الخام مقابل الوقود اعتباراً من الأول من مارس 2025، في خطوة ارتبطت بتعزيز شفافية مبيعات النفط.
وأوضحت المؤسسة الوطنية للنفط أن وقف الآلية جاء استجابة لتوجيهات النائب العام، مشيرة إلى أن اللجوء إليها كان مرتبطاً في الأساس بعدم توفير مخصصات مالية كافية لاستيراد الوقود.
وأدى ذلك إلى زيادة أهمية توفير التمويل النقدي والضمانات اللازمة للموردين لضمان انتظام الشحنات، فيما اتجهت المؤسسة الوطنية للنفط خلال 2026 بصورة أكبر إلى التعاقد المباشر مع موردين دوليين لتوفير البنزين والديزل.
ولا تشير البيانات المعلنة إلى وجود أدلة تثبت اتخاذ الموردين إجراءات لمعاقبة ليبيا بسبب وقف نظام المبادلة، إذ ترتبط عمليات التوريد عادة بتوافر التمويل والضمانات وشروط السداد وانتظام الشحنات.
الديزل يضغط على القطاعات الإنتاجية
وفي الوقت الذي بدأت فيه أزمة البنزين تشهد انفراجاً نسبياً، استمرت الضغوط على سوق الديزل، وانعكست بصورة أكبر على المخابز والمطاحن وقطاعات النقل وبعض الأنشطة الإنتاجية.
وحذرت جهات عاملة في قطاع المخابز خلال الفترة الماضية من ارتفاع تكاليف التشغيل نتيجة صعوبة الحصول على الديزل واللجوء أحياناً إلى السوق الموازية.
وتزامن ذلك مع ارتفاع سعر قنطار الدقيق من نحو 190 ديناراً في يناير إلى 275 ديناراً في أغسطس، قبل أن تصل الأسعار في بعض الأسواق إلى نحو 380 ديناراً، وفق تقارير محلية.
ولا يرتبط ارتفاع أسعار الدقيق بالوقود وحده، إلا أن زيادة تكاليف النقل والتشغيل تمثل أحد العوامل الضاغطة على تكلفة الإنتاج، وقد ينعكس استمرار نقص الديزل وارتفاع أسعاره خارج القنوات الرسمية على أسعار بعض السلع والخدمات.
ضغوط على النقد الأجنبي
وتأتي أزمة المحروقات في ظل ضغوط أوسع على موارد النقد الأجنبي، إذ أظهرت بيانات مصرف ليبيا المركزي أن استخدامات النقد الأجنبي خلال عام 2025 بلغت نحو 31.1 مليار دولار، مقابل نحو 22.1 مليار دولار من الإيرادات النفطية والإتاوات.
ويمثل هذا الفارق بيانات مسجلة لعام 2025، ولا يمكن اعتباره عجزاً مثبتاً لعام 2026، لكنه يعكس حجم الطلب على النقد الأجنبي في الاقتصاد الليبي وأهمية انتظام التدفقات النفطية لتمويل الواردات.
انفراج نسبي لا ينهي الأزمة
وشهدت الأيام الأولى من سبتمبر تحسناً نسبياً في توفر البنزين وتراجع الازدحام أمام عدد من المحطات، إذ أعلنت شركة البريقة لتسويق النفط في الخامس من الشهر توزيع نحو 17.6 مليون لتر من البنزين خلال يوم واحد من ميناءي طرابلس وبنغازي.
ويمثل هذا التحسن انفراجاً في أزمة البنزين، لكنه لا يحسم مشكلة المحروقات بصورة عامة، في ظل استمرار الضغوط المتعلقة بتوفير الديزل واختلالات التوزيع والتهريب والاعتماد المرتفع على الواردات.
وتشير المعطيات إلى أن الحد من تكرار أزمات الوقود يرتبط بمجموعة من الإجراءات، أبرزها رفع كفاءة التكرير والتخزين محلياً، وضمان انتظام تمويل الواردات، وتعزيز الرقابة على حركة المحروقات من المستودعات إلى محطات التوزيع، إلى جانب مراجعة آليات الدعم ومكافحة التهريب.
وبين تحسن نسبي في إمدادات البنزين واستمرار أزمة الديزل، تبرز الحاجة إلى معالجة المشكلات الهيكلية في منظومة المحروقات، بما يضمن استقرار الإمدادات ويحد من انعكاس اضطرابات السوق على تكاليف الإنتاج والنقل والأسعار المحلية.(الأنباء الليبية)