درنة 11 سبتمبر 2026 (الأنباء الليبية) – “خليه لبكرة نشربوا بيه قهوة”.. كانت تلك آخر الكلمات التي بقيت في ذاكرة أسرة سناء، قبل أن يغيب أثرها في ليلة إعصار دانيال بمدينة درنة، ويتحول انتظار “بكرة” إلى ثلاث سنوات من البحث عن مصيرها.
في حديث خاص لـ”الأنباء الليبية”، روت شقيقة سناء، التي فضّلت عدم نشر اسمها، تفاصيل الساعات الأخيرة، ليلة 11 سبتمبر 2023، التي سبقت اختفاءها، قائلة إن سناء كانت على تواصل مع أسرتها عبر مكالمة فيديو، وهي تعد عشاءها في منزلها القريب من منزل أهلها، فيما طلب منها إخوتها الحضور لقضاء السهرة معهم، إلا أنها وعدتهم بالمجيء في اليوم التالي.
لكن سناء لم تأتِ.
ومع انحسار مياه السيول، بدأت الأسرة رحلة البحث عنها، وفق رواية شقيقتها، فلم تترك مكانًا يمكن أن يقود إليها إلا بحثت فيه، حتى داخل منزلها الذي غمرته المياه، حيث رفع أفراد الأسرة الأثاث وفتشوا بين الأنقاض، وسألوا في أماكن مختلفة، على أمل العثور على أي أثر يقود إليها.
سناء، المتزوجة من ابن عمها، لم ترزق بالذرية، وكانت تعمل معلمة في روضة آمنة بنت وهب بمدينة درنة، وتسكن مع أهل زوجها في شقة بالطابق الأرضي.
وتقول شقيقتها إن سناء توفيت في ليلة الكارثة، إلى جانب شقيق زوجها، فيما نجا زوجها، وهو في حالة صحية جيدة.
وبعد ثلاث سنوات، لم يعد انتظار الأسرة مقتصرًا على عودة سناء، بل أصبح الأمل في معرفة مصيرها والعثور على جثمانها، حتى تتمكن الأسرة من وداعها ودفنها.
وتصف شقيقتها سناء بأنها لم تكن مجرد أخت، بل كانت “الأم الثانية” للعائلة؛ هادئة وكتومة، محبة للخير وجابرة للخواطر، وحنونة على الأطفال، وكانت صاحبة الرأي والنصيحة في البيت، واليد الحانية على كل مريض بينهم.
وقدمت الأسرة بيانات سناء إلى الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين، ولا تزال تنتظر أي معلومة قد تكشف مصيرها، بعدما أصبح غيابها حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية ومناسبات العائلة.
ثلاث سنوات.. والملف لم يُغلق
ولا تقف قصة سناء بمعزل عن آلاف الأسر التي ما زالت تنتظر معرفة مصير مفقوديها. فبعد ثلاث سنوات على كارثة دانيال، لا يزال ملف المفقودين في درنة مفتوحًا، فيما تطرح الأرقام الرسمية تساؤلات حول وتيرة التعرف على الحالات، وحجم الوقت الذي تحتاجه عمليات البحث والتحليل والمطابقة للوصول إلى نتائج حاسمة.
وبحسب بيانات الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين، بلغ عدد المفقودين الذين جرى تسجيلهم وفتح ملفات رسمية لهم لدى إدارة قيد الأهالي بالهيئة 3297 مفقودًا، فيما جرى جمع نحو 3078 عينة مرجعية من ذويهم لإجراء فحوصات الحمض النووي ومطابقة النتائج.
وتمكنت الهيئة حتى آخر تحديث معلن من التعرف على 341 حالة، بينما لا يزال 2956 مفقودًا قيد إجراءات التعرف.
وتعكس هذه الأرقام حجم الملف الذي لا يزال مفتوحًا، إذ تقف آلاف الأسر أمام انتظار طويل لمعرفة مصير ذويها، في وقت تتواصل فيه عمليات الفحص والتحليل الجيني ومراجعة نتائج المطابقة.

صورة أرشيف لآثار إعصار دانيال في مدينة درنة
وفي 30 أغسطس، بمناسبة اليوم العالمي للمفقودين، أكد رئيس الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين، الدكتور كمال سالم أبو بكر، أهمية مواصلة العمل في هذا الملف، مشددًا على أن قضية المفقودين تمثل مسؤولية إنسانية ووطنية تستدعي تضافر الجهود وتعزيز التعاون بين الجهات الوطنية والدولية، والوقوف إلى جانب الأسر التي ما زالت تنتظر معرفة مصير ذويها.
ويؤكد هذا الموقف أن مرور ثلاث سنوات على الكارثة لا يعني انتهاء مسؤولية الجهات المعنية أو إغلاق ملف المفقودين، خصوصًا أن عددًا كبيرًا من الأسر لا يزال ينتظر نتائج قد تحسم مصير أحبائها.
عمليات المطابقة مستمرة
وقال مدير مكتب الإعلام بالهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين، عبد العزيز الجعفري، في حديث خاص لـ”الأنباء الليبية”، إن الهيئة لا تزال حتى هذه اللحظة تجري عمليات الفحص والتحليل الجيني للعينات، مشيرًا إلى أن آخر تحديث للأسماء التي جرى التعرف عليها بلغ نحو 341 اسمًا.
وأضاف أن اللجنة العلمية عقدت، في 8 سبتمبر، اجتماعًا لمراجعة واعتماد أسماء جديدة تم التوصل إلى نتائج بشأنها، على أن تُحال إلى مكتب النائب العام لاستكمال الإجراءات قبل الإعلان عنها.
وأكد الجعفري أن مرور السنوات لا يعني توقف العمل، موضحًا أن الهيئة لديها التزامات تجاه عائلات الضحايا، وأن مسؤوليتها تستمر إلى حين معرفة مصير آخر مفقود وإغلاق الملف بشكل نهائي.
وبشأن ما إذا كانت هناك عائلات لا تزال تنتظر تحديد مصير ذويها، أوضح الجعفري أن ملف درنة “لم يُغلق بشكل نهائي”، وأن هناك عائلات لا تزال تنتظر، مؤكدًا أن الهيئة على تواصل مستمر معها، وتواصل العمل على العينات المرجعية الخاصة بأبنائها للوصول إلى نتائج حاسمة.
بحث مستمر ونتائج تنتظرها العائلات
ومنذ الأيام الأولى التي أعقبت الكارثة، عملت فرق الهيئة على استخراج الجثامين والرفات من مواقع مختلفة في درنة، من بينها المباني المهدمة والبحر ومقبرتا الظهر الأحمر ومرتوبة، وأعلنت في مراحل سابقة استخراج آلاف الجثامين وأخذ آلاف العينات المرجعية والبيولوجية، إلى جانب إعادة دفن أعداد من الجثامين مجهولة الهوية بعد استكمال الإجراءات القانونية والشرعية.
ورغم مرور ثلاث سنوات، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا بالنسبة لآلاف العائلات هو نفسه: أين أحباؤنا، وما مصيرهم؟
فبالنسبة لعائلة سناء، لا تمثل الأرقام والملفات مجرد إحصاءات؛ خلف كل اسم قصة وأسرة وبيت ينتظر إجابة.
ثلاث سنوات مرت على تلك المكالمة، وما زالت أسرة سناء تنتظر “بكرة” آخر؛ لا لتشرب معها القهوة كما وعدتهم، بل لتعرف مصيرها وتمنحها أخيرًا حق الوداع والدفن. (الأنباء الليبية)
تقرير: فاطمة الورفلي