بنغازي 11 سبتمبر 2026 (الأنباء الليبية)– أظهرت إفادات مختصين في الأرصاد والنظم الجغرافية والبيئية أن المؤشرات العلمية التي سبقت إعصار دانيال، في 11 سبمتبر 2026، كانت ترصد حالة جوية شديدة وغير اعتيادية على شمال شرق ليبيا، مع توقعات بهطول أمطار غزيرة واحتمال تشكل السيول، فيما سجلت محطة رصد محلية في درنة كميات مطرية كبيرة خلال الساعات التي سبقت انهيار السدين، ما أعاد إلى الواجهة التساؤلات بشأن الفجوة بين توفر المعلومات العلمية وتحويلها إلى إنذار وإجراء ميداني في الوقت المناسب.
وقال رئيس قسم الطقس بمؤسسة رؤية لعلوم الفلك وتطبيقاته، رشيد الصغير، في تصريح لـ” وكالة الأنباء الليبية”، إن النماذج العددية كانت تشير قبل أربعة إلى خمسة أيام من بدء تأثير الحالة إلى إمكانية تطور المنخفض الجوي إلى عاصفة متوسطية، أو ما يعرف بـ”إعصار البحر الأبيض المتوسط”.
وأوضح أن معظم النماذج الجوية أظهرت احتمالية هطول كميات كبيرة جدًا من الأمطار، مشيرًا إلى أن مؤشرات الخطر أصبحت أكثر وضوحًا قبل نحو 48 ساعة من وصول العاصفة، بالتزامن مع صدور التحذيرات.
وأضاف الصغير أن محطة الرصد الإلكترونية التابعة للمؤسسة في درنة سجلت 204 مليمترات من الأمطار قبل انهيار السد وتوقف المحطة عن العمل جراء الأضرار التي لحقت بها، مرجحًا أن تكون الكميات الإجمالية أكبر، خصوصًا في المناطق الجبلية ومصادر الأودية.
وأشار إلى أن انهيار السد كان التطور الأكثر صدمة في مسار الكارثة، مؤكدًا أن هذا السيناريو لم يكن متوقعًا ضمن التنبؤات الجوية.
من جانبه، قال مدير إدارة النظم الجغرافية والبيئية بوزارة البيئة، فارس فتحي، لـ”وال”، إن المؤشرات الجوية قبل وصول دانيال كانت تدل على حالة جوية شديدة وغير اعتيادية، مع توقع هطولات غزيرة خلال فترة زمنية قصيرة، بما يرفع احتمالات حدوث سيول مفاجئة، خاصة في الأودية والمناطق المنخفضة.
وأوضح فتحي أن المعلومات العلمية كانت تسمح برفع مستوى التحذير من الأمطار والسيول، إلا أن التحدي تمثل في تحويل تلك المعلومات إلى تقدير واضح لحجم الخطر على مدينة درنة، بما في ذلك سيناريوهات انهيار السدين والإخلاء المبكر.
وأكد أن المشكلة لم تكن مرتبطة بنقص البيانات وحده، بل بضعف الربط المؤسسي بين التنبؤ والتحذير والاستجابة، مشيرًا إلى وجود تحذيرات ودراسات سابقة بشأن مخاطر الفيضانات في وادي درنة وحاجة السدين إلى الصيانة.
وفي شهادته عن الساعات التي سبقت الكارثة، قال عضو مؤسسة رؤية لعلوم الفلك وتطبيقاته، عطية الحصادي، إنه كان موجودًا في درنة أثناء العاصفة، وأن المؤسسة تابعت تطور الحالة الجوية والبيانات الواردة من محطة الرصد في المدينة بصورة متواصلة.

سد وادي درنة بعد الانهيار في 11 سبتمبر 2023
وأوضح الحصادي أن المحطة سجلت قرابة 200 مليمتر من الأمطار قبل انهيار السد بنحو ثلاث ساعات، مشيرًا إلى أن هذه القراءة تعكس حجم الحالة المطرية التي شهدتها المدينة وحوض وادي درنة.
وشدد على ضرورة التمييز بين التوقع والرصد؛ فالنماذج الجوية تقدم تقديرات لما يمكن أن يحدث، بينما توفر محطات الرصد المحلية بيانات مباشرة عن الظروف الفعلية على الأرض.
وأكد الحصادي أنه لا يمكن علميًا ربط كمية الأمطار وحدها بانهيار السد، موضحًا أن تحديد أسباب الانهيار يتطلب دراسة هندسية وهيدرولوجية تشمل حالة السدود وحجم المياه المتدفقة وخصائص حوض الوادي وعوامل أخرى.
وأشار إلى أن تسارع تراكم الأمطار واستمرار الهطول وتدفق المياه نحو حوض الوادي أظهر أن الوضع تجاوز حدود الأمطار الغزيرة إلى خطر استثنائي، معتبرًا أن ذلك كشف فجوة بين امتلاك البيانات والقدرة على تحويلها إلى قرار وإجراء ميداني.
وحول تطوير منظومة الإنذار المبكر، أوضح فتحي أن ذلك يتطلب دمج التنبؤات الجوية ورصد العواصف ومساراتها وكميات الأمطار مع بيانات المحطات والأقمار الصناعية، إلى جانب “نمذجة” السيول وإعداد خرائط لمناطق الخطر ومراقبة السدود والمنشآت باستخدام تقنيات الاستشعار عن بعد والتفتيش الميداني.
بدوره، أشار الصغير إلى التطور الذي شهدته ليبيا في مجال محطات الرصد الجوي الرقمية، خاصة من خلال مشروع “مُزن” الذي وسع شبكة الرصد إلى 70 محطة موزعة على مناطق مختلفة، مؤكدًا أهمية البيانات التي توفرها هذه المحطات في إصدار التحذيرات بصورة سريعة.
غير أنه لفت إلى استمرار الحاجة إلى تعزيز جانب الاستجابة الميدانية، موضحًا أن التنبؤ بالطقس يمثل بداية سلسلة لا تكتمل إلا بوصول التحذير إلى المواطن وترجمته إلى إجراء يحمي الأرواح.
ودعا الحصادي إلى إنشاء منظومة متكاملة تربط محطات الأرصاد ومقاييس المياه وتدفقات الأودية ومراقبة السدود والنماذج الجوية والهيدرولوجية وخرائط المخاطر بغرف العمليات والبلديات والجهات المختصة، مع توفير قنوات واضحة وسريعة لإيصال التحذيرات إلى السكان.
وأكد أهمية الانتقال من التنبؤ بالطقس إلى مفهوم “الإنذار المبكر المبني على الأثر”، بحيث لا يقتصر التحذير على كمية الأمطار المتوقعة، وإنما يوضح تأثيرها المحتمل على الأودية والسدود والأحياء والمناطق المعرضة للخطر، والإجراءات التي ينبغي اتخاذها.
وبعد ثلاث سنوات على كارثة دانيال، يخلص المختصون إلى أن التحدي لا يتمثل في توفير البيانات العلمية فقط، وإنما في بناء منظومة قادرة على تحويل البيانات إلى معلومات، والمعلومات إلى تحذير، والتحذير إلى قرار، والقرار إلى إجراء في الوقت المناسب، بما يعزز القدرة على حماية الأرواح وتقليل آثار الكوارث المستقبلية. (الأنباء الليبية)
تقرير: فاطمة الورفلي