بنغازي 29 يوليو 2026 (الأنباء الليبية)– مع استمرار تقلب أسعار النفط في الأسواق العالمية، تتجه الأنظار إلى مدى انعكاس هذه التحركات على الاقتصاد الليبي، الذي يعتمد بصورة كبيرة على العائدات النفطية في تمويل الإنفاق العام وتوفير النقد الأجنبي.
وارتفع خام برنت، المؤشر المرجعي لتسعير معظم صادرات النفط الليبية، في افتتاح تعاملات اليوم الأربعاء إلى 84.80 دولارًا للبرميل، مرتفعًا 2.69 دولار أو ما يعادل 3.28 بالمئة.
ويرى خبراء اقتصاديون، في تصريحات لوكالة الأنباء الليبية، أن تداعيات تغيرات أسعار النفط لا تقتصر على حجم الإيرادات النفطية، بل تمتد إلى المالية العامة، واحتياطيات النقد الأجنبي، وسعر صرف الدينار، وقدرة الدولة على تمويل برامجها التنموية.
وتتأثر أسواق النفط العالمية بعوامل متعددة، من بينها التطورات الجيوسياسية، وتغيرات مستويات العرض والطلب، وقرارات تحالف “أوبك+”، وهي عوامل تجعل أسعار الخام عرضة لتحركات سريعة، الأمر الذي ينعكس بصورة أكبر على الاقتصادات المعتمدة على النفط كمصدر رئيس للإيرادات، وفي مقدمتها الاقتصاد الليبي.
وأكد خبراء اقتصاديون أن استمرار اعتماد الاقتصاد الليبي على النفط كمصدر رئيس للدخل يجعله أكثر عرضة لتقلبات الأسواق العالمية، سواء في فترات ارتفاع الأسعار أو انخفاضها، مشددين على أن تنويع مصادر الدخل وتعزيز مساهمة القطاعات غير النفطية يمثلان ركيزة أساسية لتحقيق استقرار اقتصادي أكثر استدامة.
وقال الخبير الاقتصادي والمتخصص في الإنفاق العام أمراجع غيث: “يعتمد الاقتصاد الليبي على النفط في نحو 95 بالمائة من إيرادات الدولة، لذلك فإن أي تغير في الأسعار أو مستويات الإنتاج ينعكس بصورة مباشرة على موارد الدولة وقدرتها على الإنفاق.”
وأضاف غيث: “تستطيع ليبيا التحكم في مستويات إنتاجها وفق ظروفها وإمكاناتها، بينما تبقى أسعار النفط خارج إرادتها، لأنها تخضع لعوامل مرتبطة بحركة الأسواق العالمية والتوترات الدولية وما ينتج عنها من تغيرات في حجم العرض والطلب.”
وأوضح أن ارتفاع أسعار النفط ينعكس على الاقتصاد الليبي من خلال زيادة الإيرادات النفطية وتدفقات النقد الأجنبي، بما يعزز قدرة الدولة على تمويل الإنفاق العام، وفتح الاعتمادات، وتوفير العملات الأجنبية اللازمة للاستيراد.
وقال: “ارتفاع أسعار النفط يؤدي إلى زيادة حصيلة النقد الأجنبي، وتحسن قدرة الدولة على تمويل الإنفاق، وفتح الاعتمادات، وتوفير العملات الأجنبية اللازمة للاستيراد وتلبية احتياجات المواطنين، في حين يؤدي انخفاض الأسعار إلى تراجع الإيرادات، وانخفاض تدفقات النقد الأجنبي، وزيادة الصعوبات في توفير العملة الأجنبية.”
من جانبه، قال رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي الدكتور حلمي القماطي: “النفط لا يمثل مجرد سلعة تصديرية بالنسبة لليبيا، بل يشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، باعتباره المصدر الرئيس للإيرادات العامة والعملات الأجنبية وتمويل الإنفاق الحكومي واستقرار سعر صرف الدينار.”
وأوضح القماطي أن ارتفاع أسعار النفط يمنح الدولة قدرة أكبر على تحسين وضعها المالي، مشيرًا إلى أن زيادة الإيرادات النفطية تنعكس على ميزان المدفوعات واحتياطيات النقد الأجنبي.
وقال: “ارتفاع أسعار النفط ينعكس في زيادة الإيرادات، وتحسن ميزان المدفوعات، وارتفاع احتياطيات النقد الأجنبي، إلى جانب تعزيز قدرة المصرف المركزي على توفير النقد الأجنبي وتمويل الواردات.”
وأشار القماطي إلى أن انخفاض أسعار النفط يؤدي إلى ضغوط مباشرة على المالية العامة، وقال: “انخفاض الأسعار يقود إلى تراجع الإيرادات الحكومية، واتساع العجز المالي، وانخفاض تدفقات النقد الأجنبي، وزيادة الضغوط على الاحتياطيات، وارتفاع الطلب على الدولار، وهو ما قد ينعكس على سعر الصرف والسياسة المالية للدولة.”
وأضاف: “ليبيا لا تتأثر فقط بأسعار النفط العالمية، وإنما أيضاً بتقلب مستويات الإنتاج نتيجة الظروف السياسية والأمنية، وهو ما يجعل إيراداتها النفطية أكثر تقلباً ويزيد من صعوبة التخطيط المالي.”
وأكد القماطي أن ارتفاع الأسعار لا يمثل ضمانة دائمة للاستقرار الاقتصادي، موضحًا أن: “الارتفاعات الأخيرة في أسعار النفط قد توفر إيرادات إضافية على المدى القصير، لكنها لا تمثل ضماناً دائماً للاستقرار الاقتصادي، لأن أسعار النفط بطبيعتها سريعة التقلب.” وقال إن: “التحدي الحقيقي يتمثل في استثمار الإيرادات النفطية لبناء اقتصاد أكثر تنوعاً، وضبط الإنفاق العام، وتعزيز مساهمة القطاعات غير النفطية.”
بدوره، قال وزير الشؤون الاقتصادية السابق ورئيس مجلس المنافسة ومنع الاحتكار الدكتور سلامة الغويل إن تقلبات أسعار النفط تمثل عاملًا رئيسيًا في تحديد مسار الاقتصاد الليبي، بالنظر إلى الاعتماد الكبير للمالية العامة على العائدات النفطية.
وأوضح الغويل: “تقلبات أسعار النفط ليست مجرد أرقام في الأسواق العالمية، وإنما عامل رئيسي يحدد أداء الاقتصاد الليبي، نظراً لاعتماد المالية العامة بصورة كبيرة على الإيرادات النفطية.”
وأضاف: “ارتفاع الأسعار يمنح الدولة قدرة أكبر على تمويل الرواتب والخدمات العامة ومشروعات التنمية، وتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي، بما ينعكس إيجاباً على الاستقرار الاقتصادي، بينما يؤدي انخفاضها إلى زيادة الضغوط على الموازنة العامة، وتأجيل بعض المشروعات التنموية، واتساع العجز المالي، الأمر الذي ينعكس على النشاط الاقتصادي ومستوى الخدمات.”
وأكد الغويل على أهمية تجاوز الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل، وقال: “تحقيق الاستقرار الاقتصادي لا ينبغي أن يرتبط فقط بارتفاع أسعار النفط، وإنما ببناء اقتصاد متنوع، واستثمار الفوائض النفطية في قطاعات الإنتاج، مثل الصناعة والزراعة والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية، إلى جانب رفع كفاءة إدارة الإيرادات، وتعزيز الشفافية، وتنويع مصادر الدخل”.
ويجمع الخبراء على أن الاقتصاد الليبي سيظل مرتبطًا بدرجة كبيرة بأداء أسواق النفط العالمية ما دامت الإيرادات النفطية تمثل المصدر الرئيس للدخل العام، مؤكدين أن تنويع القاعدة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق العام، واستثمار العوائد النفطية في مشروعات إنتاجية مستدامة، تمثل ركائز أساسية لتعزيز الاستقرار المالي والاقتصادي والحد من تأثير تقلبات أسعار النفط مستقبلاً. (الأنباء الليبية)
تقرير: أحلام الجبالي