بنغازي 25 يوليو 2026 (الأنباء الليبية) – أعاد التوافق الأخير بين رئيس مجلس النواب، ورئيس المجلس الرئاسي، ورئيس المجلس الأعلى للدولة، ملف إنهاء المراحل الانتقالية إلى صدارة المشهد الليبي، بعد الاتفاق على خريطة طريق تتضمن الدفع نحو الانتخابات وتوحيد المؤسسات السيادية والمالية. وبينما قوبلت هذه الخطوة بترحيب سياسي واسع، تتواصل التساؤلات حول مدى قدرة الأطراف الليبية على تحويل التفاهمات المعلنة إلى إجراءات عملية تنهي سنوات من الانقسام والتعثر السياسي.
-التوافق السياسي الجديد
يمثل التوافق بين الرؤساء الثلاثة محطة جديدة في مسار البحث عن تسوية شاملة للأزمة الليبية، خاصة أنه يأتي في وقت تتزايد فيه المطالب المحلية والدولية بضرورة الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة بناء الاستقرار الدائم.
ويرى مراقبون أن الاتفاق يحمل رسائل سياسية مهمة تعكس إدراكا متزايدا لدى القوى الفاعلة بأن استمرار الوضع القائم لم يعد خيارا قابلا للاستمرار في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تواجه البلاد.
في هذا السياق، أوضح المحلل السياسي محمد امطيريد أن أهمية التوافق لا ترتبط فقط بما تضمنه من عناوين سياسية واقتصادية، بل بقدرته على معالجة الإشكالات التي أعاقت مبادرات سابقة.
وأضاف أن الأشهر الماضية شهدت حراكا سياسيا متزايدا وضغوطا محلية ودولية دفعت باتجاه البحث عن حلول أكثر واقعية وسرعة، مشيرا إلى أن البيان الثلاثي جاء استجابة لهذه المتغيرات ومحاولة لإعادة ترتيب الأولويات الوطنية.
وأكد أن الاتفاق يمثل خطوة إيجابية من حيث المبدأ، لكنه يظل بحاجة إلى آليات تنفيذ واضحة ومحددة زمنيا، حتى لا يتحول إلى مجرد إعلان سياسي جديد، يضاف إلى سلسلة المبادرات التي لم تحقق أهدافها الكاملة خلال السنوات الماضية.
-الانتخابات وتوحيد المؤسسات
يعد ملف الانتخابات أحد أبرز المحاور التي تضمنها التوافق الأخير، حيث يرى كثير من الليبيين أن الوصول إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية يمثل المدخل الأساسي لإنهاء المراحل الانتقالية واستعادة الشرعية عبر صناديق الاقتراع.
ويرى امطيريد أن إجراء الانتخابات قبل 17 فبراير 2027 يظل أمرا ممكنا من الناحية الفنية واللوجستية، إذا تم التوافق على القاعدة الدستورية والقانونية المنظمة للعملية الانتخابية.
وأشار إلى أن التجربة الليبية خلال السنوات الماضية، أثبتت أن العقبات السياسية كانت السبب الرئيسي وراء تأجيل الاستحقاقات الانتخابية، بينما ظلت الجوانب الفنية قابلة للمعالجة متى توفرت الإرادة السياسية.
وأضاف أن توحيد المؤسسات السيادية والمالية والأمنية سيكون الاختبار الحقيقي لجدية الأطراف السياسية، لأن استمرار الانقسام المؤسسي ينعكس بشكل مباشر على قدرة الدولة على تقديم الخدمات وتحقيق الاستقرار.
كما لفت إلى أن المواطنين باتوا ينتظرون إجراءات عملية ملموسة تتجاوز البيانات السياسية، وتؤسس فعلياً لمؤسسات موحدة وقادرة على إدارة شؤون الدولة بكفاءة وشفافية.
-الاقتصاد والميزانية الموحدة
على الصعيد الاقتصادي، حظي الاتفاق على إعداد ميزانية موحدة لعام 2027 باهتمام واسع باعتباره خطوة مهمة نحو إعادة توحيد المالية العامة وإنهاء حالة الازدواجية التي أثرت على إدارة الموارد خلال السنوات الماضية.
ويرى المحلل الاقتصادي أحمد الخميسي أن اعتماد ميزانية موحدة يمكن أن يسهم في تعزيز الشفافية والانضباط المالي وتحسين كفاءة الإنفاق العام.
وأوضح أن حصر إدارة الإيرادات النفطية وتحصيل عائداتها عبر المؤسسات الرسمية يمثل أحد أهم عناصر النجاح الاقتصادي لأي تسوية سياسية، نظراً للدور المحوري الذي تلعبه العائدات النفطية في تمويل الموازنة العامة وتوفير السيولة اللازمة للاقتصاد الوطني.
وأضاف أن هذه الخطوات من شأنها الحد من الإنفاق الموازي وتعزيز الرقابة على الموارد المالية وتحسين إدارة الاحتياطيات النقدية.
وأشار الخميسي إلى أن نجاح هذه الإجراءات يبقى مرتبطاً بدرجة الالتزام السياسي والتنفيذي من مختلف الأطراف، موضحاً أن الانقسام الاقتصادي هو في الأساس انعكاس مباشر للانقسام السياسي والمؤسساتي، الأمر الذي يجعل أي إصلاح اقتصادي مرتبطاً بوجود توافق سياسي حقيقي ومستدام.
-التنفيذ وتحديات المرحلة
رغم المؤشرات الإيجابية التي يحملها التوافق الأخير، يرى مراقبون أن التحدي الأكبر يكمن في مرحلة التنفيذ، خاصة في ظل استمرار عدد من الملفات المعقدة المرتبطة بالانقسام الحكومي وتضارب المصالح وضعف مستويات الإفصاح المالي والإداري. كما أن غياب الإصلاحات الهيكلية في ملفات الدعم والمرتبات والدين العام قد يحد من النتائج الاقتصادية المنتظرة.
ويؤكد متابعون أن ليبيا تمتلك اليوم فرصة جديدة للانتقال نحو مرحلة أكثر استقرارا، إذا تمكنت الأطراف السياسية من ترجمة التفاهمات إلى خطوات عملية ضمن جداول زمنية واضحة.
وبينما تمثل الانتخابات وتوحيد المؤسسات أهدافاً مركزية على طريق إنهاء الانقسام، فإن الإرادة السياسية تبقى العامل الحاسم في تحويل هذه الأهداف إلى واقع ملموس يضع البلاد على مسار استكمال بناء الدولة وتعزيز الاستقرار والتنمية خلال السنوات المقبلة. (الأنباء الليبية) س خ.
-متابعة: أحلام الجبالي