بنغازي 04 نوفمبر 2026 (الأنباء الليبية) – يُواجه قطاع النشر في ليبيا تحدياتٍ اقتصاديةٍ متزايدة، انعكست على تكلفة إنتاج الكتاب وأسعاره في السوق المحلية، في ظل اعتماد دور النشر على الورق المستورد وارتباط تكاليف الطباعة بسعر صرف العملات الأجنبية، إلى جانب أعباء الشحن والرسوم الجمركية، ما يضع صناعة النشر أمام تحديات تتعلق باستمرار الإنتاج والمحافظة على القدرة الشرائية للقراء.
وفي جولة ميدانية داخل أروقة معرض بنغازي الدولي للكتاب، استطلعت آراء عددٍ من مُمثلي دور النشر الليبية بشأن واقع الصناعة وأسباب ارتفاع أسعار الكتب، وتأثير تقلبات سعر الصرف وتكاليف الطباعة والشحن على القيمة الشرائية للكتاب، حيث تباينت آراؤهم بشأن جدوى الطباعة في الداخل والخارج، فيما اتفقت على أن سعر الصرف يمثل أحد أبرز العوامل المؤثرة في تكلفة الإنتاج.
سعر الورق وسعر الصرف.. العامل الحاسم في تكلفة الكتاب
وقال مدير إدارة دار الجابر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، علي جابر، إن الفروقات بين أسعار الطباعة في الداخل والخارج ليست كبيرة، مُوضحًا أن تكلفة الطباعة متقاربة سواء تمت في طرابلس أو بنغازي أو في مصر وتونس، باعتبار أن المطابع تعتمد جميعها على الورق المستورد.
وبيّن أن اختلاف الجودة قد يرتبط بالمطبعة التي يتعامل معها الناشر، لكن تكلفة الطباعة لا تتأثر بصورة جوهرية بمكان تنفيذها، مشيرًا إلى أن سعر الورق يمثل العامل الأساسي في تحديد التكلفة.
وأوضح جابر أن ارتباط الكتاب بسعر الدولار في السوق الموازية يعود إلى عدم تمكن دور النشر والمكتبات من فتح اعتمادات مستندية لاستيراد الكتب، الأمر الذي يجعل تكلفة الحصول على مستلزمات الطباعة مرتبطة بأسعار العملات الأجنبية في السوق.
وضرب مثالًا بتغير القيمة الفعّلية للكتاب، مُوضحًا أن الكتاب الذي كانت تكلفة إنتاجه خمسة دولارات عام 2010، كانت تعادل قيمتها آنذاك نحو 7.5 دينار، بينما أصبحت القيمة المقابلة للمبلغ نفسه اليوم تقارب 50 دينارًا، وفق سعر الصرف الذي أشار إليه، في حين ظلت أسعار بيع بعض الكتب عند مستويات متقاربة.
وأضاف أن الناشر كان يحقق هامش ربح أفضل في السابق، بينما أصبحت الإيرادات الحالية أقل قدرة على تغطية التكاليف نتيجة ارتفاع قيمة الدولار ومستلزمات الإنتاج.
وأشار إلى أن الكتاب الليبي لا يزال، بحسب تقديره، أقل سعرًا مقارنةً بالعديد من الكتب المعروضة من دور النشر العربية المشاركة في المعارض، مُوضحًا أن أسعار بعض الإصدارات العربية تبدأ من 100 و200 دينار، وقد تصل إلى 500 و1000 دينار، في حين تتراوح أسعار معظم الكتب الليبية بين 30 و50 دينارًا، ولا يتجاوز أغلى بعضها 80 دينارًا.
ولفت إلى أن القدرة الشرائية للمواطن تُمثل مسألة أخرى، لكنه يرى أن الزيادات التي شهدتها أسعار الكتب أقل من الزيادات المسجلة في عدد من السلع التموينية، مستشهدًا بارتفاع أسعار بعض السلع مقارنة بالزيادات التي طرأت على أسعار الكتب.
الشحن الدولي.. كلفة أقل وتأخير في وصول الكتب
وفيما يتعلق بتكاليف الشحن، أوضح جابر أن تعامل معظم الناشرين الليبيين يتركز مع مصر وتونس، مُعتبرًا أن الشحن من هذين البلدين ليس مكلفًا بالقدر الذي يتصوره البعض، بل قد تكون تكلفة نقل الكتب من القاهرة إلى بنغازي أقل من شحنها بين بعض المدن الليبية.
وأشار إلى إمكانية وصول طرد كتب من القاهرة إلى بنغازي بنحو 100 دينار، في حين قد تتجاوز تكلفة شحن الطرد نفسه من بنغازي إلى طرابلس هذا المبلغ، بحسب خدمات النقل المتاحة.
وأضاف أن المشكلة الأبرز في الشحن الدولي، تتمثل في طول مدة وصول الشحنات، التي قد تستغرق من القاهرة إلى بنغازي شهرًا أو 45 يومًا، الأمر الذي يُسبب تأخيرًا للناشرين الذين يرتبطون بمواعيدٍ محددةٍ للمشاركة في المعارض.
وبيّن جابر أن الطباعة في الخارج، وخاصةً في مصر، تمنح دور النشر الليبية مرونة أكبر في المشاركة بالمعارض العربية والدولية، إذ يصعب شحن الكتب من ليبيا إلى وجهات مثل الشارقة والجزائر وإسطنبول والأردن وسوريا، بسبب محدودية خيارات الشحن وارتفاع تكاليفه، في ظل الاعتماد على الشحن الجوي.
وأوضح أن الطباعة في مصر تتيح للناشرين ترك كميات من إصداراتهم هناك للمشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب وغيرها من المعارض، والاستفادة من خدمات شركات الشحن المصرية، بما يقلل الأعباء اللوجستية.
ارتفاع الدولار ينعكس على الطباعة والشحن والجمارك
من جانبه، أكد حسين العدولي، مُمثل دار الفضيل للنشر، أن ارتفاع أسعار الدولار ينعكس بصورة مباشرة على تكلفة طباعة الكتب وأسعارها، في ظل اعتماد عدد كبير من دور النشر الليبية على المطابع الخارجية.
وأوضح أن محدودية عددٍ المطابع المتاحة في ليبيا، تدفع الناشرين إلى تنفيذ أعمال الطباعة في الخارج، ولا سيما في مصر والأردن، مُشيرًا إلى أن ارتفاع سعر العملة الأجنبية يؤدي إلى زيادة تكاليف الطباعة والشحن والرسوم الجمركية، وهي أعباء تنعكس في النهاية على السعر الذي يتحمله القارئ.
وأضاف أن القوة الشرائية للكتاب تتأثر بهذه المتغيرات الاقتصادية، باعتبار أن الناشرين الليبيين يعتمدون على شراء العملات الأجنبية من السوق الموازية لتغطية احتياجاتهم، الأمر الذي يجعل أسعار الكتب عرضة للتغير مع ارتفاع سعر الدولار.
الطباعة في مصر أقل تكلفة.. والمطابع الليبية تتميز بالجودة
أما صالح عمارة، مُمثل دار الحضارة للنشر والتوزيع بطرابلس، فيرى إن الطباعة في مصر أقل تكلفةً في بعض الجوانب مقارنة بالطباعة داخل ليبيا، بسببِ انخفاض تكاليف العمالة وتوافر خيارات متنوعة للورق والتجليد، بما في ذلك الأغلفة المقواة.
وأوضح أن المطابع الليبية تتميز بمستوى جودة مرتفع، وهو ما ينعكس على تكلفة الإنتاج، لافتًا إلى أن بعض الناشرين يُفضلون الطباعة في مصر لتوفير تكلفة الكتب ذات الطلب الواسع، خُصوصًا المقررات الجامعية التي يبحث الطلاب فيها عن السعر المناسب.
وأضاف أن الكتب الأكاديمية والإصدارات التي تحتاج إليها المؤسسات أو المؤلفون تُطبع في ليبيا رغم ارتفاع تكلفتها، نظرًا لما توفره المطابع المحلية من جودة في الطباعة والإخراج.
وأشار إلى أن أسعار الورق والحبر ترتبط بدورها بسعر الدولار، مُعتبرًا أن تقلبات سعر الصرف، تُمثل أحد الأسباب الرئيسية لارتفاع تكلفة الكتاب.
وفيما يتعلق بالشحن، لفت إلى أن تكاليف النقل شهدت ارتفاعًا حتى على المستوى الداخلي، مرجعًا ذلك إلى نقص وقود الديزل وما ترتب عليه من زيادة في أسعار نقل الطرود والشحنات بين المدن.
إصدارات جديدة رغم التحديات
وعلى الرغم من الصعوبات التي تُواجه صناعة النشر، تواصل دور النشر الليبية تقديم إصدارات جديدة والمشاركة في المعارض الثقافية.
وفي هذا السياق، أوضح صالح عمارة أن دار الحضارة للنشر والتوزيع تشارك في المعرض بأولى منشوراتها، وهو كتاب “دراسات في التشريع الجنائي الليبي والفقه الإسلامي” للأستاذ الدكتور مصطفى إبراهيم العارضي، المحاضر بكلية الدراسات العليا بالأكاديمية الليبية فرع الخمس.
كما أعلن عن إصدار آخر للدكتور مجدي شبعاني بعنوان “دراسة في تنازع الاختصاصات من الناحية الدستورية”، إلى جانب مجموعة من الإصدارات الأخرى التي لا تزال تحت الطبع، ومن المقرر عرضها في المعرض المقبل.
تحديات اقتصادية أمام صناعة النشر
وتكشف إفادات مُمثلي دور النشر عن تعدد العوامل المؤثرة في تكلفة الكتاب الليبي، بين الاعتماد على الورق المستورد، وتقلبات سعر الصرف، وتكاليف العمالة وجودة الطباعة، فضلًا عن أعباء الشحن الداخلي والدولي.
وبينما يرى بعض الناشرين أن أسعار الطباعة متقاربة بين ليبيا والخارج بسبب استيراد الورق، يُشير آخرون إلى أن انخفاض تكاليف العمالة في بعض الدول،
وفي مقدمتها مصر، يجعل الطباعة الخارجية خيارًا اقتصاديًا لبعض الإصدارات، في حين تظل جودة الطباعة المحلية عاملًا مهمًا في اختيار مكان الإنتاج.
وتُبرز هذه المعطيات أهمية معالجة التحديات المرتبطةِ بتوفيرِ العملة الأجنبية، وتسهيل إجراءات فتح الاعتمادات المستندية لاستيراد الكتب ومواد الطباعة، إلى جانب تطوير خدمات الشحن والنقل الداخلي، بما يُسهم في خفض تكاليف الإنتاج والتوزيع، ودعم دور النشر الليبية وتمكينها من مواصلة نشاطها. (الأنباء الليبية – بنغازي) ر ت
متابعة| سومة حرب
تصوير | ناصر الحاسي