بنغازي 4 نوفمبر 2026 (الأنباء الليبية)- لم تكن الشوارع في المدن القديمة مجرد مسارات للتنقل بين الأحياء والمنشآت، بل كانت جزءاً من بنيتها العمرانية، وعكست أساليب تنظيم الحياة اليومية وحركة السكان والأنشطة المختلفة.
ومن خلال اتجاهاتها وامتداداتها وعلاقتها بالمباني والأسوار، يمكن قراءة جانب من تاريخ تلك المدن وتحولاتها عبر الزمن.
وفي مدينة توكرة الأثرية، يبرز شارع “الديكومانوس” بوصفه أحد الشواهد التي تتيح استكشاف ملامح التخطيط العمراني للمدينة وذاكرتها الممتدة عبر قرون.
ويقول مدير مكتب آثار توكرة، صالح بومكحلات، إن الشارع الرئيسي المعروف باسم “الديكومانوس الأعظم” كان يمتد بين البوابتين الشرقية والغربية للمدينة، ضمن شبكة الطرق التي نظمت الحركة داخل أسوارها.
ويوضح بومكحلات أن “الديكومانوس” يُعد من المحاور الرئيسية في تخطيط المدن الرومانية، ويكون اتجاهه عادة من الشرق إلى الغرب، مقابل شارع “الكاردو” الذي يمتد من الشمال إلى الجنوب.
ويشير إلى أن توكرة تضم عدداً من المعالم الأثرية، من بينها الحمامات البيزنطية والحصن الإسلامي وصالة الألعاب الرياضية.
ولا يتطابق تخطيط المدينة تماماً مع شبكة هندسية منتظمة؛ إذ أظهرت الدراسات أن بعض الشوارع والكتل العمرانية جاءت بترتيبات متباينة، يُرجح أنها راعت طبيعة الموقع الساحلي واتجاهات الرياح، بما يعكس تفاعل التخطيط العمراني مع الظروف البيئية المحيطة.
ومن أبرز الشواهد المرتبطة بالشارع اكتشاف آثار قوس في وسط امتداده، عُدّ موضعه مهماً في دراسة تنظيم المدينة خلال الفترة الرومانية. كما عُثر بالقرب منه على نقش يرجع إلى الربع الأول من القرن الرابع الميلادي، ويرجح الباحثون ارتباطه بالقوس، بما يضيف دليلاً مادياً يساعد في قراءة تاريخ هذا المحور العمراني.
وتعود جذور توكرة، المعروفة في المصادر القديمة باسم “تاوخيرا” أو “تاوتشيرا”، إلى أواخر القرن السابع قبل الميلاد، قبل أن تمر بمراحل تاريخية متعاقبة شملت العصور الهلنستية والرومانية والبيزنطية، وصولاً إلى الفترة الإسلامية. وقد ترك هذا التعاقب آثاره في نسيج المدينة ومبانيها وشبكة طرقها.
وكشفت أعمال التنقيب التي أُجريت في المدينة بين عامي 1985 و1992 عن تنوع الأنشطة التي احتضنتها؛ إذ عُثر على بقايا أفران لصناعة الفخار، وأحواض ومنشآت أخرى مرتبطة بالإنتاج والحرف، إلى جانب آثار تعود إلى مراحل سكنية مختلفة. وتشير هذه المكتشفات إلى استمرار النشاط العمراني والحرفي في المدينة خلال فترات متعاقبة من تاريخها.
كما يحيط بالشارع نسيج عمراني يضم شواهد أثرية من مراحل تاريخية مختلفة، من بينها الأسوار والحمامات والمنشآت العامة، فضلاً عن مبانٍ أُعيد استخدامها أو تعديلها مع تغير وظائف المكان عبر الزمن. وتبرز الأسوار، التي تجاوز محيطها كيلومترين، حجم المدينة وأهمية تحصيناتها، ولا سيما خلال العهد البيزنطي.
ويضيف بومكحلات أن توكرة اشتهرت بصناعة الفخار وتصديره، كما تميزت بتحصيناتها وأبراجها، لافتاً إلى أن المدينة لا تزال بحاجة إلى مزيد من أعمال التنقيب للكشف عن بقية معالمها الأثرية.
ولا تكمن أهمية “الديكومانوس” في كونه أثراً معمارياً منفرداً فحسب، بل في علاقته ببقية الشواهد الأثرية التي ترسم صورة أوسع عن توكرة؛ إذ تتيح دراسة اتجاه الشارع وامتداده وصلته بالبوابات والمنشآت المحيطة تتبع جانب من حركة السكان وتنظيم المجال الحضري في المدينة القديمة.
وبينما لا تزال أجزاء من تاريخ توكرة بحاجة إلى مزيد من البحث والتوثيق، يظل شارع الديكومانوس أحد المفاتيح المهمة لفهم عمرانها، وشاهداً على مدينة تعاقبت عليها حضارات ومراحل تاريخية تركت آثارها في حجارتها وطرقها، لتبقى جزءاً من ذاكرة المكان. (الأنباء الليبية) ك و