بنغازي 24 أكتوبر 2026 (الأنباء الليبية) – «سوق الجريد فتح يا حاجة».. كلمتان كانتا كافيتين لتعيدَا الحاجة زينب الهوني إلى سنوات مضت، حين كان السوق جزءًا من تفاصيل يومها، ومكانًا تختلط فيه حركة البيع والشراء بروائح البخور والتوابل وأصوات الباعة وخطوات الزبائن.
تستعيد زينب تلك الأيام وهي تتذكر كيف كانت تستعجل وضع طنجرة الغداء على الغاز، ثم ترتدي فراشيتها وتتوجه إلى السوق الذي لم يكن يبعد عن منزلها سوى شارع واحد. وهناك، كانت تجد الباعة الذين يفترشون أرضية السوق، ومن بينهم نساء أفريقيات يبعن البخور ومستلزماته، فيما تمتد المحال المفتوحة على جانبيه، وتتنوع بين بيع الملابس والذهب والعطارة.
وتقول إن مشاهد السوق ما زالت حاضرة في ذاكرتها، من محل «الطرابلسي» المتخصص في بيع الملابس، إلى المحال الأخرى وحركة الزبائن التي كانت تمنح المكان حيويته. كما تستحضر روائح البخور والتوابل والخبز التنوري، وأصوات الباعة الذين كانوا ينادون على بضائعهم.
لكن تلك الصورة تغيرت مع سنوات الحرب على الإرهاب، التي شهدت إغلاق السوق وتعرضه للدمار، قبل أن يخضع لأعمال الصيانة وإعادة التأهيل، ويستقبل زواره مجددًا مع افتتاحه اليوم.
وبين زوار السوق، تستعيد السيدة تركية الفرجاني بدورها ذكرياتها مع المكان، مستحضرة زمنًا كانت فيه الأسعار في متناول الناس، رغم محدودية المرتبات، قائلة: «مرتبنا كان 150 جنيه وكنا نقدروا نشروا عادي، كل شيء موجود».
وتتحدث تركية عن عودتها إلى السوق بعد رحلة علاج صعبة، موضحة أنها أكملت ستة أشهر من العلاج الكيميائي، وأنها خرجت من رحلة العلاج وهي لا تملك المال، في شهادة تختلط فيها ذكريات الماضي بظروف الحاضر.
وتتذكر من السوق القديم محال الذهب والعطارة، مؤكدة أن المكان كان يضم مختلف السلع، فيما كان سوق الحوت سوقًا مستقلًا عنه. وعن سنوات الحرب وما رافقها من فقدان للمكان، تقول: «وقت الحرب حسينا فقدنا الدنيا كلها»، معبرة عن تقديرها لجهود إعادة إعمار السوق بقولها: «ربي إن شاء الله يقويهم».
وتلتقي حكايتا زينب وتركية عند مكان واحد، وإن اختلفت تفاصيل الذكريات؛ فالأولى تستحضر وجوه الباعة وروائح السوق وأصواته، فيما تتذكر الثانية الأسعار والسلع التي كانت متاحة للناس. وبين الشهادتين، يظهر السوق باعتباره أكثر من مساحة للتجارة، إذ ارتبط بحياة أهالي بنغازي وذكرياتهم اليومية.
ومع إعادة افتتاح سوق الجريد الشعبي، تعود أبوابه لتستقبل الزوار بعد سنوات من التراجع، فيما تحمل ذكريات من عرفوه قديمًا معنى يتجاوز فتح المحال من جديد؛ فبالنسبة إلى زينب، اختصرت عبارة «المحلات محلولات» فرحتها بعودة المكان، وبالنسبة إلى تركية، استحضر السوق زمنًا ظل حاضرًا في ذاكرتها رغم ما مرت به من ظروف صعبة.
وفي سوق الجريد، لا تقتصر حكاية الافتتاح على عودة النشاط إلى المحال، بل تمتد إلى ذاكرة مدينة تستعيد بعض ملامح ماضيها، من خلال أشخاص ما زالوا يتذكرون تفاصيل المكان، ويرون في عودته فرصة لاستمرار حكايته في حياة الأجيال الجديدة. (الأنباء الليبية) ص و.
متابعة: فاطمة الورفلي