طرابلس 19 سبتمبر 2026 (الأنباء الليبية) – تتجدد أزمة مطالب المعلمين في ليبيا مع بداية العام الدراسي 2026-2027، في ظل تمسك النقابات والحراكات بجملة من المطالب المالية والمهنية، من بينها توحيد المرتبات، وصرف الفروقات، وعلاوة الحصة، والتأمين الصحي، والحماية القانونية، بينما تؤكد الجهات التعليمية الرسمية دعمها لهذه المطالب والعمل على معالجتها.
وكان من المقرر أن ينطلق العام الدراسي في 13 سبتمبر الجاري، غير أن تعليق العمل الذي أعلنته نقابات وحراكات للمعلمين لمدة 15 يومًا أدى إلى تفاوت في انتظام الدراسة بين المناطق والمدارس، في وقت تتواصل فيه المواقف والاتصالات بشأن المطالب المطروحة.
وتعيد الأزمة إلى الواجهة ملفات سبق أن تناولها التشريع الليبي، إلى جانب مطالب أخرى تتطلب قرارات وإجراءات مالية وإدارية، ما يطرح تساؤلات حول مدى تنفيذ الحقوق القائمة، وآليات معالجة الملفات التي لا تزال محل خلاف.
مطالب تتجاوز زيادة المرتبات
وقال نقيب معلمي طرابلس الكبرى، أشرف أبوراوي، في مقابلة سابقة مع وكالة الأنباء الليبية نشرت في 17 سبتمبر الجاري، إن المطلب الرئيسي يتمثل في زيادة المرتبات من خلال جدول موحد يضمن العدالة الاجتماعية ويوفر للمعلم حياة كريمة.
وأوضح أن مطالب المعلمين لا تقتصر على المرتبات، وإنما تشمل إصدار وتفعيل قانون حماية المعلم، وعلاوة الحصة، ومكافأة مديري المدارس، والتأمين الصحي، وصرف الفروقات المالية، وتحسين البيئة التعليمية.
وأشار أبوراوي إلى أن النقابة لا تطرح رقمًا محددًا للزيادة المطلوبة، معتبرًا أن تحديد القيمة ينبغي أن يكون من اختصاص الدولة عبر اعتماد جدول موحد لمختلف القطاعات، يراعي ارتفاع الأسعار ويحافظ على قدر من التوازن بين الدخل ومتطلبات الحياة.
وأكد أن المطالب سبقت الاعتصام بأسابيع، من خلال اجتماعات وبيانات وظهور إعلامي ومنصات التواصل الاجتماعي، قبل تقديمها رسميًا إلى وزارة التربية والتعليم، مشيرًا إلى أن النقابات كانت تأمل في معالجة الملفات عبر التفاوض قبل الوصول إلى تعليق العمل.
وفي بنغازي، أكد نقيب المعلمين محمد الجحاوي دعم مطالب المعلمين وتمسك النقابة بحقوقهم، فيما أكد مراقب التربية والتعليم بالمدينة بالعيد الورفلي، خلال اجتماع مع مديري المدارس في 8 سبتمبر الجاري، دعم المراقبة لحقوق المعلمين، مع التشديد على الالتزام بالخطة الدراسية الموضوعة من وزارة التربية والتعليم.
حقوق لها أساس قانوني
ويعود جانب من المطالب المطروحة حاليًا إلى القانون رقم 4 لسنة 2018 بشأن مرتبات العاملين بقطاع التعليم وحقوقهم ومزاياهم، الذي تناول عددًا من الجوانب المالية والاجتماعية والمهنية للعاملين في القطاع.
وينص القانون على تخصيص مبلغ من الميزانية العامة لقطاع التعليم لتغطية نفقات الرعاية الصحية والاجتماعية للعاملين، كما يخول مجلس الوزراء إصدار القرارات المنظمة للمكافآت والعلاوات للعاملين بالقطاع، بناءً على اقتراح الوزير المختص.
كما ينص على إلزام وزارة التربية والتعليم بإجراء التأمين اللازم على العاملين ضد الأمراض وأخطار المهنة، وتوفير الرعاية الصحية الدائمة داخل الدولة وخارجها، إلى جانب الحماية الاجتماعية لهم ولأفراد أسرهم.
وتتقاطع هذه النصوص مع عدد من المطالب الحالية، ولا سيما التأمين الصحي والعلاوات، فيما تمثل الفروقات المالية وتوحيد المرتبات ملفات أخرى تتصدر مطالب النقابات والحراكات.
بين النص والتنفيذ
ويبرز في الأزمة الحالية الفرق بين وجود الحق في النص القانوني وبين آليات تنفيذه، إذ ترتبط بعض الحقوق بقرارات تنظيمية أو اعتمادات مالية وإجراءات تنفيذية، بينما يقول المعلمون إن عددًا من مستحقاتهم، ومن بينها التأمين الصحي والفروقات المالية، لم تُنفذ بالصورة التي يطالبون بها.
وفي المقابل، أكد وزير التربية والتعليم بالحكومة الليبية جمعة الجديد، في تسجيل مصور في 15 سبتمبر الجاري، أن الوزارة تقف مع المطالب الشرعية للمعلمين، وتبذل جهودًا بالتنسيق مع الحكومة ومجلس النواب والجهات ذات العلاقة للعمل على تحقيقها في أقرب فرصة ممكنة.
وأوضح الجديد أن مطالب المعلمين تشمل توحيد المرتبات، وعلاوة الحصة، وصرف الفروقات، والتأمين الصحي، مؤكدًا حرص الوزارة على متابعة هذه المطالب والعمل على توفيرها.
وفي السياق نفسه، عقد وزير التربية والتعليم بحكومة الوحدة الوطنية، محمد عبد السلام القريو، في اليوم ذاته، اجتماعًا موسعًا مع عدد من ممثلي نقابات المعلمين.
وبحسب ما أعلنته الوزارة، استمع القريو إلى مطالب ممثلي النقابات، مؤكدًا أن حقوق المعلم أولوية وأن مطالبهم مشروعة، فيما أفضى الاجتماع، وفق الوزارة، إلى وضع خارطة طريق لمعالجة الإشكالات العالقة، مع التأكيد على استمرار التواصل بين الوزارة والنقابات.
وتشير المواقف المعلنة من الجانبين إلى اتفاق على عدد من المطالب الأساسية، بينما يظل الخلاف مرتبطًا بدرجة تنفيذها والجدول الزمني والإجراءات المطلوبة لمعالجتها.
قطاع واسع وتبعات ممتدة
وتكشف بيانات مركز المعلومات والتوثيق بوزارة التربية والتعليم عن اتساع الجهاز العامل في قطاع التعليم، إذ بلغ عدد العاملين المستمرين بالخدمة 595,559 عاملًا، فيما سجلت المنظومة 50,165 من غير المستمرين، ممن تشملهم حالات التقاعد أو الانقطاع أو الإجازة بدون مرتب، وفق أحدث إحصائية منشورة للمركز عن العام الدراسي 2025-2026.
وفي تصريحات سابقة، أشار وزير التربية والتعليم المكلف سابقًا في حكومة الوحدة الوطنية علي العابد إلى أن عدد المعلمين في الوزارة يتجاوز 180 ألف معلم ومعلمة.
ويعكس حجم القطاع اتساع نطاق أي معالجة مالية أو إدارية تتعلق بمرتبات العاملين وحقوقهم، كما يجعل آثار أي اضطراب في العملية التعليمية تتجاوز العلاقة الوظيفية إلى الطلاب وأولياء الأمور وانتظام الدراسة.
عام دراسي تحت الضغط
وتزامن تعليق العمل لمدة 15 يومًا مع بداية العام الدراسي، ما أدى إلى تفاوت في انتظام الدراسة بين المناطق والمدارس؛ إذ بدأت الدراسة في بعض المناطق، بينما شهدت مناطق أخرى اعتصامات وتحركات أدت إلى تأجيلها في عدد من المدارس.
ويضع ذلك استمرار الخلاف أمام تحديين متوازيين: معالجة المطالب المالية والمهنية المطروحة، والحفاظ على انتظام العملية التعليمية خلال العام الدراسي.
ويعتمد أثر استمرار تعليق العمل على مدته ونطاقه، إذ قد يؤدي امتداده إلى زيادة الضغط على الخطة الدراسية، في حين يبقى الوصول إلى تسوية بين الجهات الحكومية والنقابات عاملًا أساسيًا في إعادة انتظام الدراسة.
من المطالب إلى التنفيذ
وتجمع الأزمة الحالية بين مطالب تتصل بالمرتبات والفروقات والعلاوات، وأخرى مرتبطة بالتأمين الصحي والحماية القانونية وبيئة العمل، وبعض هذه الملفات له أساس في تشريعات قائمة، فيما يحتاج بعضها إلى قرارات أو ترتيبات مالية وإدارية لتنفيذه.
وتؤكد وزارة التربية والتعليم، في مواقفها المعلنة، دعمها للمطالب والعمل مع الجهات ذات العلاقة بشأنها، بينما تتمسك النقابات والحراكات بضرورة الانتقال إلى إجراءات عملية لمعالجة الملفات التي تقول إنها ظلت مطروحة لسنوات.
وبين النص القانوني والإجراءات التنفيذية، يبقى مسار معالجة هذه الملفات مرتبطًا بمدى قدرة الجهات المعنية على تحويل المواقف المعلنة وخطط المعالجة إلى خطوات محددة، بما يتيح تسوية المطالب المطروحة ويعزز انتظام العملية التعليمية خلال العام الدراسي الجديد. (الأنباء الليبية)