بنغازي 15 سبتمبر 2026 (الأنباء الليبية) – تستعيد الذاكرة الوطنية الليبية في السادس عشر من سبتمبر من كل عام، المحطات الأخيرة من مسيرة شيخ الشهداء عمر المختار، الذي أُعدم في السادس عشر من سبتمبر عام 1931، بعد سنوات من قيادة المقاومة ضد الاحتلال الإيطالي.
وتستحضر ذكرى استشهاد المختار تفاصيل الأسر والمحاكمة والإعدام، إلى جانب وقائع ارتبطت بالمرحلة الأخيرة من مقاومته، من بينها قصة نظارته التي سقطت أثناء إحدى المعارك، وتحولت لاحقاً إلى واحدة من التفاصيل الرمزية المرتبطة بسيرته في الذاكرة الليبية.
النظارة.. تفصيل من معارك المقاومة
بلغت عمليات ملاحقة القوات الإيطالية لعمر المختار ذروتها خلال السنوات الأخيرة من المقاومة في الجبل الأخضر، حيث خاضت قواته مواجهات متواصلة مع القوات الإيطالية التي كثفت عملياتها العسكرية لمطاردته والقضاء على حركة المقاومة.
وخلال إحدى المعارك، سقطت نظارة المختار الميدانية، وعثر عليها الجنود الإيطاليون، قبل أن تظهر لاحقًا في سياق المواجهة بين المختار والقيادة العسكرية الإيطالية.
وتشير الروايات التاريخية المتداولة إلى أن المختار، عندما وُوجه بالنظارة في مقر القيادة الإيطالية، أقر بأنها تخصه وأنها سقطت منه أثناء المعركة، دون أن يظهر عليه ما يشير إلى التراجع أو الانكسار.
وأصبحت هذه الواقعة، مع مرور الوقت، جزءاً من الرواية الشعبية والوطنية المرتبطة بسيرة المختار، باعتبارها تفصيلاً يعكس طبيعة المواجهة التي لم تقتصر على الجانب العسكري، وإنما امتدت إلى محاولة كسر إرادة قائد المقاومة.
من الأسر إلى المحاكمة
في الحادي عشر من سبتمبر عام 1931، أُسر عمر المختار عقب اشتباك مع القوات الإيطالية في منطقة بونزركية، بعد إصابة فرسه وسقوطه، ليقع في قبضة القوات الإيطالية.
ونُقل المختار إلى بنغازي، حيث خضع لمحاكمة عسكرية سريعة انتهت بإصدار حكم الإعدام بحقه.
وخلال فترة الأسر والمحاكمة، حافظ المختار على موقفه الرافض للاحتلال الإيطالي، وظل متمسكًا بموقفه من المقاومة، رغم إدراكه أن الحكم الصادر بحقه يعني نهايته.
وتنقل المصادر التاريخية روايات عن لقاء جمعه بالمارشال رودولفو غراتسياني، قائد القوات الإيطالية في ليبيا، خلال فترة أسره، في مشهد عكس، وفق تلك الروايات، التباين بين قائد المقاومة الأسير والقيادة العسكرية التي كانت تسيطر على البلاد.
ورغم ظروف الأسر، حافظ المختار على هدوئه وثباته، وهي صورة ارتبطت بسيرته في الذاكرة الوطنية الليبية.
نهاية رجل وبقاء الرمز
في صباح السادس عشر من سبتمبر عام 1931، نُفذ حكم الإعدام في عمر المختار في مركز الاعتقال بسلوق، بحضور أعداد من الليبيين الذين أجبرتهم سلطات الاحتلال على مشاهدة تنفيذ الحكم.
وأرادت سلطات الاحتلال أن يمثل إعدام المختار نهاية لحركة المقاومة التي قادها لسنوات، غير أن مقتله تحول مع مرور الوقت إلى رمز من رموز الكفاح الوطني الليبي.
وأصبح السادس عشر من سبتمبر مناسبة سنوية يستذكر فيها الليبيون سيرة المختار ورفاقه، وما شهدته البلاد خلال فترة الاحتلال الإيطالي من معارك وتهجير واعتقالات ومعتقلات ومنافي.
عمر المختار في الذاكرة الوطنية
وقال المدير العام لمركز السلام الثقافي في بنغازي، د. فرج نجم، في تصريح لوكالة الأنباء الليبية، بمناسبة ذكرى السادس عشر من سبتمبر، إن عمر المختار يُمثل شخصيةً تحظى بإجماع واسع بين الليبيين في الداخل والخارج.
وأضاف أن وصف الليبيين في المهجر بـ«أحفاد المختار» يعكس ما تمثله شخصية المختار من حضور في الوجدان الوطني ومصدر اعتزاز بالهوية الليبية.
وأوضح أن إحياء ذكرى استشهاد المختار لا يقتصر على استذكار شخصه، وإنما يشمل أيضاً رفاقه وأهالي المناطق والقبائل والمدن والقرى التي أسهمت في دعم المقاومة ضد الاحتلال الإيطالي.
وأشار إلى أن تلك المرحلة شهدت معاناة واسعة شملت القتال والترحيل والاعتقال والنفي والإعدام، مؤكداً أن سيرة المختار بقيت حاضرة بوصفها جزءاً من الذاكرة الوطنية الليبية.
ولفت إلى أن شخصية عمر المختار أسهمت في ترسيخ مفهوم جامع للهوية الوطنية، مشيراً إلى أن العديد من الشخصيات السياسية والتاريخية قد تكون موضع اختلاف أو جدل، بينما بقي المختار، في الذاكرة الليبية، رمزاً جامعاً للمقاومة والتضحية.
إرث يتجاوز المعركة
وبعد خمسة وتسعين عامًا على استشهاده، لا تزال سيرة عمر المختار حاضرة في الذاكرة الليبية، ليس فقط باعتباره قائداً للمقاومة ضد الاحتلال الإيطالي، وإنما باعتباره رمزًا للثبات والتضحية والتمسك بالوطن.
ومن تفاصيل معاركه وأسره ومحاكمته إلى لحظة إعدامه في بلدة سلوق، بقيت سيرة المختار حاضرة عبر الأجيال، فيما تحولت تفاصيل ارتبطت بأيامه الأخيرة، ومنها قصة النظارة التي سقطت في أرض المعركة، إلى رموز تستعاد كل عام مع ذكرى السادس عشر من سبتمبر.
وتبقى هذه الذكرى مناسبةً لاستحضارِ مرحلةً مفصلية من تاريخ ليبيا الحديث، واستذكار الذين شاركوا في مقاومة الاحتلال الإيطالي، وما تركته تلك المرحلة من أثر في الذاكرة الوطنية الليبية. (الأنباء الليبية – بنغازي) ر ت
تقرير | سومة حرب