بنغازي 03 مايو 2026 (الأنباء الليبية) – في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الإعلامي عالميًا، وما فرضته تقنيات الذكاء الاصطناعي من تغيرات جوهرية في أساليب إنتاج المحتوى وتداوله، يحيي العالم اليوم العالمي للصحافة وسط تساؤلات متزايدة حول مستقبل المهنة وحدود تأثير التكنولوجيا على جوهرها.
وفي هذا السياق، يسلط أكاديميون من كلية الإعلام بجامعة بنغازي الضوء على واقع الصحافة بين التطور التقني المتسارع ورهان الحفاظ على المصداقية والمعايير المهنية، مؤكدين أن الصحافة لا تتجه إلى الزوال، بل إلى مرحلة جديدة من إعادة التشكيل والتكيف.
مخرجات التعليم الإعلامي.. حضور متنامٍ في سوق العمل
يرى عميد كلية الإعلام، الدكتور محمد المنفي، أن خريجي أقسام الصحافة باتوا أكثر قدرة على الاندماج في سوق العمل، مستندين إلى تطور ملحوظ في العملية التعليمية داخل الكلية، والتي “أخذت منحى علميًا متقدمًا يواكب مدارس الإعلام الحديثة على مستوى العالم”.
وأوضح المنفي، لوكالة الأنباء الليبية، أن إدماج تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعليم الإعلامي أسهم في تعزيز قدرات الطلبة، خاصة في مجالات الإخراج الفني وبناء الهوية البصرية للمحتوى الصحفي، إلى جانب إكسابهم مهارات التعامل مع التقنيات الحديثة في التحرير والسبق الصحفي.
وأشار إلى أن العمل الصحفي لم يعد مجرد مهارات تقنية، بل “منظومة متكاملة تتداخل فيها الأبعاد المعرفية والنفسية والاجتماعية”، لافتًا إلى أن حضور طلبة كلية الإعلام، خاصة قسم الصحافة، داخل المؤسسات الإعلامية خلال الفترة الأخيرة “أصبح لافتًا ويعكس مستوى التأهيل الذي يتلقونه”، مؤكدًا أن هذه المؤسسات تمثل شريكًا أساسيًا في استكمال العملية التعليمية.
الذكاء الاصطناعي.. شريك مهني لا بديل بشري
من جانبه، أكد عضو هيئة التدريس بكلية الإعلام الدكتور نزار الزبير أن التحولات التي شهدتها الصحافة خلال العقدين الماضيين “أحدثت تغييرًا جذريًا في أساليب الممارسة المهنية”، مع دخول التقنيات الذكية كشريك أساسي في إنتاج المحتوى.
وكشف الزبير عن نتائج دراسة أجراها عام 2025 على عينة من الصحفيين في غرف الأخبار بمدينة بنغازي، أظهرت “اتجاهًا إيجابيًا نحو أتمتة العمل الصحفي، لما توفره من اختصار في الوقت والجهد وتحسين جودة المحتوى”، مع وجود قناعة لدى الصحفيين بأن هذه التحولات لا تشكل تهديدًا مباشرًا لدورهم المهني.
وأضاف أن المرحلة الحالية تتطلب إعادة تعريف دور الصحفي، بحيث يتجاوز كونه ناقلًا للخبر إلى “منظومة متكاملة قادرة على الانتقاء والتحليل وإنتاج محتوى موجه بدقة”، مشددًا على أن هذا التحول “لا يمكن تحقيقه دون إتقان التعامل مع الأدوات الذكية والعمل في بيئة تحريرية متكاملة”.
واعتبر أن المخاوف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي يجب التعامل معها بوعي، عبر “تعزيز الجوانب الإبداعية والأخلاقية التي تميز الصحفي”، وتأهيله للعمل ضمن منظومة ذكية قادرة على تلبية احتياجات جمهور متغير.
صحافة المستقبل.. من نقل الخبر إلى صناعة المعنى
بدوره، قدّم عضو هيئة التدريس بكلية الإعلام الأستاذ إسماعيل الفلاح قراءة أكثر تفصيلًا لمستقبل المهنة، مؤكدًا أن الصحافة “لا تواجه نهاية، بل تمر بتحول عميق في وظيفتها ومكانتها”.
وأوضح أن الصحفي اليوم لم يعد مجرد جامع للمعلومات، بل أصبح مطالبًا بإتقان مهارات التحقق، وتحليل البيانات، والسرد البصري، وإدارة المنصات الرقمية، إلى جانب فهم الخوارزميات واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي دون التفريط في المعايير المهنية.
وأشار الفلاح إلى أن المؤشرات الدولية تؤكد هذا التحول، لافتًا إلى أن الذكاء الاصطناعي بات عنصرًا فاعلًا في غرف الأخبار، مع توجه متزايد نحو الأتمتة وإنتاج المحتوى الذكي، وهو ما يفرض على الصحفي العمل داخل “بيئة هجينة تجمع بين الإنسان والآلة”.
وفيما يتعلق بعلاقة الجمهور بالإعلام، أكد أن المنصات الرقمية غيّرت أنماط استهلاك الأخبار، حيث لم يعد الجمهور ينتظر الوسائل التقليدية، بل يتلقى محتواه عبر وسائل التواصل ومحركات البحث، ما يجعل الصحافة أكثر ارتباطًا بالسرعة والبُعد البصري.
تحديات الثقة والتضليل.. معركة المهنة الحقيقية
وحذّر الفلاح من جملة تحديات تفرضها المرحلة، في مقدمتها تآكل الثقة في المحتوى المنتج آليًا، إلى جانب مخاطر التضليل الناتج عن أخطاء الذكاء الاصطناعي، وغياب السياسات التحريرية الواضحة لاستخدامه.
كما أشار إلى أن الصحافة البصرية تواجه تحديًا مضاعفًا مع انتشار تقنيات التزييف، ما يستدعي تطوير مهارات التحقق الرقمي لدى الصحفيين، بما في ذلك تحليل الصور وكشف المحتوى المفبرك.
بين الإنسان والآلة.. اختبار البقاء للأكثر كفاءة
وفي خلاصة رؤيته، شدد الفلاح على أن الذكاء الاصطناعي “لا يهدد الصحفي الحقيقي، بل يضعه أمام اختبار جديد”، موضحًا أن الصحفي القادر على التكيف، والمتمسك بأخلاقيات المهنة، سيظل عنصرًا أساسيًا في صناعة المحتوى.
واتفقت مجمل الآراء على أن مستقبل الصحافة لن يكون صراعًا بين الإنسان والآلة، بل شراكة تعيد توزيع الأدوار، وتضع المصداقية والاحترافية في صدارة معايير البقاء. (الأنباء الليبية) ك و
تقرير : أحلام الجبالي / هدى الشيخي
