بنغازي 05 مايو 2026 (الأنباء الليبية) – يجسد إعلان الحكومة الليبية، أمس الإثنين، الشروع في تنفيذ اتفاق توحيد الإنفاق العام للعام المالي 2026 خطوة مفصلية في مسار الإصلاح المالي والإداري، تعكس توجها واضحا نحو معالجة أحد أبرز أوجه الانقسام المؤسسي الذي تعاني منه البلاد منذ عدة سنوات. ويأتي هذا التحرك في سياق سعي الحومة الليبية إلى إرساء قواعد أكثر صلابة للاستقرار الاقتصادي، عبر توحيد السياسات المالية وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد العامة.
ويحمل الاتفاق، الذي تم بمشاركة ممثلين عن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة وبرعاية مصرف ليبيا المركزي، دلالة سياسية واقتصادية مهمة، إذ يعكس مستوى من التوافق بين الأطراف الفاعلة في المشهد الليبي. هذا التوافق لا يقتصر على البعد الشكلي، بل يمتد إلى محاولة حقيقية لإعادة تنظيم الإنفاق العام بما يخدم مختلف مناطق البلاد دون تمييز، وهو ما يعد استجابة لمطالب شعبية طالما نادت بالعدالة في توزيع الثروة.
يشير انتقال الحكومة الليبية من مرحلة التوافق إلى التطبيق الفعلي، من الناحية التنفيذية، إلى إدراكها لحساسية المرحلة وضرورة ترجمة الاتفاقات إلى إجراءات ملموسة. وقد باشرت وزارتا التخطيط والمالية بالفعل في تفعيل بنود الاتفاق، من خلال اعتماد آلية الصرف وفق قاعدة (1/12)، وهي آلية مؤقتة تُستخدم لضمان استمرارية الإنفاق في ظل غياب ميزانية موحدة معتمدة. هذا الإجراء، رغم طابعه الفني، يعكس محاولة لتفادي أي فراغ مالي قد يؤثر سلبا على الخدمات العامة أو يؤدي إلى اضطرابات اقتصادية.
ويُشير اعتماد أبواب الميزانية الأربعة (الأجور، النفقات التسييرية، التنمية، والدعم) ضمن هذا الإطار إلى إرادة واضحة في الحفاظ على توازن الإنفاق، وضمان عدم تهميش أي قطاع حيوي. ويكتسب الإشراف المباشر من مصرف ليبيا المركزي أهمية خاصة، كونه يُضفي قدرا من الرقابة والانضباط على عملية الصرف، ويساهم في تعزيز الثقة في سلامة الإجراءات المالية.
في المقابل، لا يخلو هذا المسار من تحديات محتملة، أبرزها إمكانية ظهور عراقيل سياسية أو إدارية قد تعرقل التنفيذ. ولهذا، جاء تحذير الحكومة الليبية في بيانها الصادر أمس الإثنين، وتلقت وكالة الأنباء الليبية نسخة منه، من أي محاولات لعرقلة الاتفاق، ليعكس وعياً مسبقاً بهذه المخاطر، واستعدادا لاتخاذ إجراءات قانونية لحماية المال العام. هذا الموقف الحازم قد يكون ضروريا لضمان جدية التنفيذ، لكنه يتطلب في الوقت ذاته شفافية عالية في التطبيق لتجنب أي تأويلات أو اتهامات بالانتقائية.
على المستوى الأوسع، يمكن النظر إلى هذه الخطوة باعتبارها بداية لمسار إصلاح مالي شامل، لا يقتصر على توحيد الإنفاق، بل يمتد إلى إعادة بناء منظومة الإدارة المالية للدولة على أسس حديثة. فإذا ما تم تنفيذ الاتفاق بنجاح، فقد يسهم ذلك في تحسين كفاءة الإنفاق العام، وتقليل الهدر، وتعزيز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، وهي عناصر أساسية لأي عملية استقرار اقتصادي مستدام.
ويُبرز هذا التحرك محاولة جادة من الحكومة الليبية للخروج من حالة الانقسام المالي، وبناء أرضية مشتركة لإدارة الموارد الوطنية غير أن نجاحه سيظل مرهونا بمدى الالتزام الفعلي بالتنفيذ، واستمرار التوافق السياسي، وقدرة المؤسسات على العمل بشكل منسق وشفاف في خدمة مصالح الشعب الليبي.
وفي هذا الصدد يمثل اتفاق توحيد الإنفاق العام خطوة واعدة نحو إعادة بناء منظومة مالية أكثر تماسكا وعدالة في ليبيا، لكنه في الوقت ذاته يضع الحكومة أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتها على تحويل التوافقات إلى نتائج ملموسة. فنجاح هذا المسار لن يُقاس بمجرد إطلاقه، بل بمدى استمراريته وفاعليته في تحقيق الاستقرار المالي وتعزيز ثقة المواطنين. وبين الطموح والتحديات، يبقى الالتزام الجاد بالتنفيذ، والشفافية في إدارة الموارد، واستمرار التنسيق بين المؤسسات، عوامل حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه الخطوة ستتحول إلى نقطة تحول حقيقية في الاقتصاد الليبي، أم مجرد محطة أخرى في مسار الإصلاح المؤجل. (الأنباء الليبية) س خ.