بنغازي 31 مارس 2026 (الأنباء الليبية) – الجغرافيا ليست مجرد خرائط أو حدود تفصل بين الأماكن، بل هي علم حيوي يتيح فهم توزيع الخدمات والفرص بين الناس والمناطق المختلفة، ويكشف عن الفجوات التنموية والاختلالات في الوصول إلى المرافق الأساسية.
على الرغم من أهمية هذا العلم في تفسير وتحليل حركة السكان والخدمات والبنية التحتية، لم تحظَ الجغرافيا بالاهتمام الإعلامي الكافي في ليبيا، حيث يقتصر ذكرها غالبا على مقررات دراسية في المدارس والجامعات، دون التطرق العميق لتطبيقاتها الحديثة في التخطيط التنموي والخدماتي.
في هذا السياق، استضافت وكالة الأنباء الليبية عضو هيئة التدريس بقسم الجغرافيا بكلية الآداب جامعة بنغازي سعاد حمد بوسنينة، الحاصلة على درجة أستاذ مشارك، وذلك للحديث عن علم الجغرافيا الخدمية وتطبيقاته الحديثة.
كما تحمل بوسنينة درجة الدكتوراه من جامعة دمنهور بجمهورية مصر العربية، إضافة إلى درجة الماجستير من جامعة بنغازي، ما يؤهلها لتقديم رؤية علمية شاملة تربط النظرية بالجوانب التطبيقية في التخطيط المكاني والخدمات.
كما تتميز بمساهماتها المجتمعية والعلمية المتعددة، فهي عضو اللجنة العلمية بقسم الجغرافيا بكلية الآداب، كما شاركت في تأسيس منتدى الإدريسي التابع للقسم، الذي يهدف إلى تعزيز البحث العلمي والتبادل المعرفي بين المختصين، كذلك عضواا في جمعية الجغرافية الليبية للمناخ والبيئة والتنمية في بنغازي.
وكان الحديث معها لتسليط الضوء على علم الجغرافيا الخدمية وتطبيقاته المتقدمة، مع مناقشة التحديات المكانية والفرص التي يتيحها استخدام التقنيات الحديثة مثل البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي في تحسين توزيع الخدمات وتحقيق التنمية المستدامة.
-الجغرافيا والخدمات الأساسية
الجغرافيا اليوم لم تعد تقتصر على دراسة المظاهر الطبيعية أو البشرية التقليدية، بل أصبحت أداة أساسية لفهم حركة الخدمات والمعلومات والفرص داخل الحيز المكاني، وتحليل كيفية وصول السكان إليها. علم الجغرافيا الخدمية يركز على توزيع الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والنقل والاتصالات والتجارة والخدمات الإدارية، ويقيس مدى كفايتها وجودة أدائها، كما يسعى لتحقيق العدالة المكانية من خلال دراسة الفجوات بين المناطق المختلفة.
أوضحت بوسنينة أن اهتمامها بالجغرافيا نبع من إدراكها المبكر للفجوات الكبيرة في وصول السكان إلى الخدمات المختلفة، وما يترتب على ذلك من تفاوت في الفرص التنموية والتعليمية والاقتصادية.
ولفتت إلى أن دراسة الجغرافيا لم تعد علما وصفيا يقتصر على وصف المكان، بل أصبحت وسيلة لفهم الفروقات بين المناطق وقياس مدى فاعلية الخدمات، حيث تلعب العوامل المكانية دورا حاسما في تحسين التعليم وفرص العمل والاندماج الاجتماعي والاقتصادي.
وأكثر ما فاجأها في أعمالها البحثية هو أن الاختلال في توزيع الخدمات لا يرتبط دائما بندرة الموارد، بل يرتبط غالبًا بسوء التخطيط المكاني وعدم كفاءة إدارة الموارد المتاحة.
ففي بعض الحالات، نجد أن الخدمات متمركزة في مناطق محددة بشكل يفوق الحاجة الفعلية، بينما تعاني مناطق أخرى من نقص حاد في الوصول إلى الخدمات.
وأكدت أن المسافة وحدها ليست العامل الحاسم، بل جودة البنية التحتية وكفاءة تشغيل المرافق ومرونتها في تلبية الاحتياجات، كلها عوامل تؤثر على فاعلية الخدمة.
-التخصصات الحديثة للجغرافيا
أوضحت أيضا أن الجغرافيا المعاصرة شهدت تطورا ملحوظا، مع ظهور تخصصات جديدة تلبي احتياجات العصر الحديث، منها الخرائط الديموغرافية، الجغرافيا التعليمية، الجغرافيا الاقتصادية والسياسية، الجغرافيا الحيوية، الأمن المكاني، والخدمات اللوجستية.
هذه التخصصات تهدف إلى فهم العلاقة بين المكان والإنسان والخدمات، وتحقيق توزيع عادل وفعال للموارد بما يدعم التنمية المستدامة.
كما أشارت بوسنينة إلى أهمية تخصص الجغرافيا الخدمية، الذي يركز على دراسة توزيع الخدمات الأساسية وفهم الفجوات بين المناطق، وتقديم حلول دقيقة لتحقيق العدالة المكانية والتنمية المتوازنة، كما ويتيح التحليل المكاني تحديد أفضل المواقع لإنشاء المدارس والمستشفيات أو مراكز الخدمات، اعتمادا على بيانات دقيقة تشمل شبكات الطرق وكثافة السكان وأزمنة الوصول، لضمان تقديم خدمة فعالة لسكان مختلف المناطق.
وأضافت أن التقنيات الحديثة مثل البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي سمحت للجغرافيا بالانتقال من دراسة المشاكل الحالية إلى التنبؤ بالمشكلات المستقبلية. على سبيل المثال، يمكن التنبؤ بمناطق الضغط المستقبلي على المدارس أو المستشفيات، أو تحديد الفجوات في شبكات المياه والكهرباء، ما يسمح باتخاذ إجراءات وقائية وتحسين التخطيط قبل تفاقم المشكلات، مما يحوّل الجغرافيا إلى أداة استراتيجية لدعم صانع القرار.
-التحديات المكانية للخدمات في ليبيا
عن التحديات التي تواجه ليبيا فذكرت أنها تحديات كبيرة، تتمثل في تقديم الخدمات الأساسية، خصوصا الصحة والتعليم، بسبب اتساع المسافات بين التجمعات السكانية والتفاوت الكبير في كثافة السكان.
كذلك التركز الحضري في بعض المدن مقابل ضعف الخدمات في الأطراف والمناطق الريفية يخلق فجوات كبيرة تؤثر مباشرة على جودة حياة السكان وإتاحة الخدمات.
كما يمثل التوسع العمراني غير المخطط تحديا رئيسيا، إذ يؤدي إلى نشوء أحياء جديدة دون مراعاة البنية التحتية الضرورية، مما يضغط على شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والطرق، ويقلل من كفاءة الخدمات ورفع تكاليف المعالجة اللاحقة.
وأوضحت أن العشوائيات تخلق أنماط وصول غير منتظمة للخدمات، ما يجعل تقديم الخدمة أكثر تعقيدا وأقل عدالة، ويعكس ضعف التخطيط المدمج بين العمران والخدمات.
وأكدت بوسنينة أن العدالة المكانية لا تعني توزيعا متساويا حرفيا، بل توزيعا عادلا يأخذ في الاعتبار عدد السكان وخصائصهم واحتياجاتهم الفعلية وطبيعة المجال وسهولة الوصول.
وأشارت أن الدراسات الجغرافية تساعد صانعي القرار على توجيه الاستثمارات العامة نحو المناطق الأكثر حاجة، وتقليل الفجوات بين المدن الكبرى والمناطق الأقل نموا، وبين المراكز والأطراف.
-التكنولوجيا والمدن الذكية والجغرافيا
تتحدث عضو هيئة التدريس عن التحولات الحديثة مثل التجارة الإلكترونية والمدن الذكية، حيث أعادت تشكيل الجغرافيا التقليدية للخدمات.
ففي الماضي، كانت قيمة المركز التجاري تعتمد على موقعه المركزي في قلب المدينة، أما اليوم فإن المستودعات وشبكات النقل والتوصيل أصبحت محور النجاح التجاري والخدمي، مما يعكس أهمية إدارة تدفق السلع والخدمات أكثر من الموقع المادي التقليدي.
كما أن البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي ساعدت على تحليل الأنماط المكانية للاستخدام والطلب، والتنبؤ بمناطق الضغط المستقبلي على المدارس والمستشفيات وشبكات المياه والاتصالات.
وأكدت أن هذا يتيح تخطيطا أكثر دقة ومرونة، ويحول الجغرافيا من علم وصفي إلى أداة قوية لتحسين توزيع الخدمات وتحقيق التنمية المتوازنة، عبر اتخاذ قرارات قائمة على تحليل مكاني دقيق.
بوسنينة أشارت إلى أن المدن الذكية تعتمد على جمع البيانات وتحليلها لتحسين كفاءة الخدمات وتقليل الهدر ورفع جودة الحياة اليومية للسكان.
وأكثر الخدمات قابلية للتحول الرقمي هي النقل والطاقة والمياه والنفايات والسلامة العامة والاتصالات والخدمات البلدية الرقمية، حيث أصبح جزء كبير من الخدمات متاحا رقميا دون الحاجة إلى الانتقال الفعلي، مما يجعل جغرافية الاتصالات محورا رئيسيا في التخطيط الحضري الذكي.
-الجغرافيا والتنمية المستدامة
تلعب الجغرافيا الخدمية دورا محوريا في مواجهة التحديات الكبرى مثل تغير المناخ والأوبئة، من خلال تحديد مناطق الهشاشة ومسارات الخطر ومدى جاهزية الخدمات.
ففي حالات الكوارث الطبيعية مثل السيول والأعاصير أو الأوبئة، يسمح التحليل المكاني بإعادة توزيع الموارد بسرعة وكفاءة وتقليل الخسائر، وضمان استمرار الخدمات الأساسية.
وأضافت تؤثر الفجوة الرقمية بين المناطق بشكل مباشر على فرص التنمية، فالضعف في الوصول إلى الإنترنت وخدمات الاتصالات يقلل من فرص التعليم والعمل والتجارة الإلكترونية والخدمات الحكومية الرقمية، لذلك أصبح التخطيط الجغرافي للخدمات ضرورة استراتيجية للعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.
وأكدت أن إعداد قاعدة بيانات جغرافية وطنية شاملة للسكان والخدمات والبنية التحتية هو أول خطوة أساسية لتحسين التخطيط وإعادة توزيع الخدمات بكفاءة، سواء في الصحة والتعليم أو النقل والمياه والكهرباء، لتحقيق العدالة المكانية والتنمية المستدامة.
في الختام أكدت أن المجتمع الذي يعاني تفاوتا في الوصول إلى شبكات الاتصال يعاني تفاوتا مماثلا في فرص التنمية، مما يجعل التخطيط الجغرافي العلمي للخدمات عنصرا استراتيجيا لا غنى عنه. (الأنباء الليبية) س خ.
– حوار: هدى العبدلي
