بنغازي 28 مارس 2026 (الأنباء الليبية) – أعاد حادث العنف المروع في صبراتة، الذي شهد قيام رجل بإشعال النار في زوجته بعد تهديدها بالقتل، فتح ملف العنف الأسري في ليبيا على مصراعيه، مؤكدا أن هذه الظاهرة لم تعد مجرد خلافات عائلية عابرة، بل انعكاس لتغيرات اجتماعية واقتصادية وثقافية عميقة تؤثر على بنية الأسرة الليبية نفسها.
وتعد هذه الواقعة بمثابة جرس إنذار حول تصاعد مظاهر العنف داخل البيوت، التي لم تعد مخفية أو مكتومة كما في الماضي، ما يفرض إعادة النظر في سلوكيات الأفراد وممارسات المجتمع تجاه الأسرة ودورها.
- الضغوط الاقتصادية والمعيشية
يرى المختصون الاجتماعيون أن العنف الأسري يرتبط ارتباطا وثيقا بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدها المجتمع الليبي خلال السنوات الأخيرة.
الباحثة الاجتماعية إلهام دبوب أوضحت أن الأسرة الليبية، التي كانت تاريخيا تتمتع بتماسك قوي، مع وجود ضبط اجتماعي غير رسمي يمارسه المحيط والأسرة الممتدة، بدأت تشهد تراجعا واضحا في قدرتها على احتواء الخلافات الداخلية.
وتضيف دبوب أن الضغوط الاقتصادية والمعيشية المستمرة، مثل ارتفاع معدلات البطالة وتراجع الاستقرار المالي وغياب الأمان الوظيفي، تؤثر مباشرة على الصحة النفسية للأفراد، وتزيد من قابلية الانفعال والعنف.
وأوضحت أن تراكم هذه الضغوط، مع ضعف مهارات الحوار وإدارة الخلافات داخل البيت، يحول الأسرة من مساحة أمان إلى فضاء توتر وصراع دائم، ما يهدد سلامة الأسرة ويؤثر على كرامة الأفراد واستقرارهم الأسري والنفسي.
- الهشاشة النفسية والمجتمعية
تؤكد دبوب أن غياب خدمات الصحة النفسية والدعم الاجتماعي المؤسسي يزيد من هشاشة بعض الأفراد ويجعلهم أكثر قابلية للعدوان داخل الأسرة.
الصدمات النفسية والتجارب السلبية التي يمر بها الفرد دون معالجة أو احتواء تتحول لاحقًا إلى سلوك عدواني، خاصة عند فقدان أدوات ضبط الانفعال والتعامل مع التوتر.
وتشير دبوب أيضا إلى تراجع دور المدرسة والمؤسسات الدينية والإعلامية في تعزيز القيم الأخلاقية والحوار واحترام الآخر، ما يترك فراغا تربويا ينعكس سلبا على سلوك الأفراد داخل الأسرة.
كما أن الانفتاح على المحتوى العنيف وغير المنضبط عبر وسائل التواصل الاجتماعي أعاد تشكيل بعض المعايير الاجتماعية والسلوكية، خاصة لدى الأجيال الأصغر سناً، مما ساهم في تطبيع العنف وتقليل حساسية المجتمع تجاهه.
ويشير الخبراء إلى أن هذه العوامل، مجتمعة مع الضغوط الاقتصادية والنفسية، تؤسس لبيئة خصبة لتكرار الحوادث العنيفة داخل بعض البيوت، ما يستدعي معالجة شاملة لا تقتصر على رد الفعل القانوني فقط.
ترى دبوب أن مواجهة العنف الأسري في ليبيا تتطلب استراتيجية شاملة تبدأ بالوقاية والتوعية، ولا تقتصر على العقوبة بعد وقوع الجريمة.
ويجب إعادة بناء منظومة القيم داخل الأسرة والمجتمع على أساس الحوار والاحترام المتبادل، إلى جانب إدماج برامج تعليمية لتعليم إدارة النزاع والذكاء العاطفي داخل المدارس.
كما ينبغي تعزيز خدمات الإرشاد النفسي والاجتماعي، وتفعيل دور المؤسسات الدينية والإعلامية في نشر خطاب يناهض العنف ويعزز ثقافة السلوك المدني القائم على التسامح والاحتواء.
وتشدد دبوب على أهمية سنّ تشريعات فعالة وآليات آمنة للتبليغ عن الانتهاكات قبل تفاقمها، بالإضافة إلى دعم المجتمعات المحلية في إقامة برامج متابعة وحماية للأسرة، بحيث يصبح التعامل مع العنف الأسري قضية مجتمعية متكاملة تتطلب مشاركة الجميع، من الأسرة والمؤسسات التعليمية والصحية، إلى المجتمع المدني والدولة.
في الختام لا تعد حادثة صبراتة مجرد جريمة فردية، بل مؤشر على تصدع بنية الأسرة في بعض المناطق الليبية، وتستدعي مراجعة السياسات المجتمعية وتكثيف الجهود الوقائية لحماية الأسرة من الانهيار، بما يضمن مستقبل آمن ومستقر للمجتمع كله. (الأنباء الليبية) س خ.
-متابعة: أحلام الجبالي