بنغازي 28 يوليو 2025 (الأنباء الليبية) -يتميز الجبل الأخضر، بغاباته الكثيفة، وأوديته المتشابكة، وفي هذا المكان يعيش بوعبد السميع الخزعلي، الذي بات يعرف بين الأهالي بـ”صياد الأفاعي”، لكنه لا ينظر إليها كخطر، بل كمخلوقات أُجبرت على مغادرة بيئتها بفعل تدخل الإنسان.
وانطلقت رحلته غير المتوقعة مع الزواحف حين تلقى نداء استغاثة من أحد سكان وادي الكوف لإبعاد أفعى اقتربت من منزله.
-انقاذ حياة
يقول بوعبد السميع في حديثه لوكالة الأنباء الليبية: “جئت أتفرج… فوجدت نفسي أنقذ حياة، اخترت هذه المهنة بهدف إنقاذ الناس، نفرح لما ننقذ حد، ولما حد يدعي ليا ولوالدي… هذه هي ما أسعى له.”
تلك اللحظة كانت مفصلية في حياته، ومنذ ذلك اليوم بدأت رحلته غير المتوقعة مع الزواحف، وتحول من مجرد مشاهد إلى منقذ.
-مهنة بلا سلاح
يمضي بوعبد السميع الخزعلي في مهمته دون أن يحمل سلاحا ناريا، بل متسلحا بنية الإنقاذ وخبرة متراكمة. تمكّن من الإمساك بأكبر أفعى كوبرا سُجلت في البلاد، لكنه لا يراها خصما أو تهديدا، بل مخلوقا له دور في دورة الحياة.
وفي ظل تصاعد حوادث الزواحف التي تقتحم الأحياء السكنية، تبرز تجربته كنموذج مختلف، يقدّم معرفة ووعيًا نادرًا في مواجهة ما وصفه بـ”الظل الزاحف من قلب الطبيعة إلى أبواب البيوت”.
-زحف الزواحف
لا يرى بوعبد السميع أن ظهور الأفاعي بشكل متزايد مفاجئا أو غير متوقع، بل يعتبره نتيجة مباشرة لتعديات البشر على البيئة. يقول:
“نعم، نحن في مواجهة مع الطبيعة، السبب أن الإنسان تعدّى عليها. مسح الغابات، انتشار المساكن قرب الأودية والجبال، الأنشطة البشرية العشوائية… إعصار مثل دانيال كلها ساهمت في انتقال الأفاعي للأحياء السكنية.”
ويضيف: “قبل سنة 2012، لم نكن نرى الكمية من هذه الأفاعي، اليوم الزواحف تُجبر على البحث عن مأوى جديد وسط بيوت البشر.”
ورغم ذلك، يرفض بوعبد السميع إثارة الهلع، مشيرا إلى أن الانتشار طبيعي نسبيا مقارنة بحجم البلاد وتنوع بيئتها، ولا يعني أننا بلغنا مرحلة “الخطر الشامل”.
-الجهل أخطر من السم
يركز بوعبد السميع الخزعلي على ما يصفه بـ”الخطر الخفي، وهو الجهل “حيث سم الأفعى خطير، والمباغتة خطيرة… لكن الجهل في التعامل معها أخطر بمرات، وأغلب الإصابات تحدث لأن الناس تتصرف برعونة أو تهور”، مؤكدا أن “أخطر خطأ هو مسك الأفعى باليدين”، ويقدم سلسلة إرشادات قد تنقذ حياة: منها: غسل مكان اللدغة فورا بالماء والصابون، وعدم ربط مكان الإصابة، خصوصا مع لدغة الكوبرا، كذلك الحفاظ على الهدوء وعدم الحركة قدر الإمكان، مع نقل المصاب بسرعة إلى أقرب مركز صحي، وتجنب العلاجات الشعبية أو المص، والالتزام بالهدوء أهم خطوة، الخطر الأكبر أن يتحرك المصاب بعنف أو يرتبك.
-تأسيس فريق إنقاذ وطني
يحلم بوعبد السميع الخزعلي بتأسيس فريق وطني متخصص في الإنقاذ البيئي، تحت إشراف الدفاع المدني أو الشرطة الزراعية.
ويضيف: “أعمل وحدي، وأغطي فقط مدن الجبل الأخضر، وتصلني اتصالات من بنغازي، سرت، طبرق، وسلوق… لكن إمكانياتي لا تسمح، حتى سيارتي لا تتحمّل التنقل لمسافات طويلة.”
ويشير إلى أن أكثر المتضررين هم مربو الدجاج والطيور والفلاحون، حيث تشكّل حضائرهم بيئة جاذبة للأفاعي، مضيفا:
“الأماكن القذرة هي بيئة الأفاعي، تنظيف حضائر الدجاج ومخازن العلف ضروري، الوقاية تبدأ بالنظافة”.
-رسائل
يوجه رسالة واضحة للمواطنين: “لا تربوا الطيور قرب الغابات أو الأودية، أنتم تجلبون الخطر لبيوتكم دون قصد”.
كما قدم رسائل خاصة للأطفال والأهالي: “رجاء، لا تقتربوا من الأفاعي لا للتصوير ولا للعب. لا تميزوا السامة من غير السامة، وخطرها قد يكون قاتلا.”
-البعد الديني والبيئي
في جانب ديني وإنساني عميق، يشير بوعبد السميع الخزعلي إلى الهدي النبوي في التعامل مع الزواحف، موضحا:
“ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الحيات الخطيرة مثل الأبتر وذا الطفيتين، لكن ورد النهي عن قتل الحيات داخل البيوت إلا بعد إنذارها ثلاثا، لأنها قد تكون من الجن المؤمنين.”
وشرح أن التحريج ثلاث مرات، هو نداء يطلق لطرد الأفعى من المنزل، وإن لم تغادر، فيقتل دفعا للضرر، وهذا يبرز رحمة الإسلام وتوازنه مع عالم الحيوان والغيب.
وعن الجدل الذي دار حول إطلاق 72 أفعى كوبرا في وادي الناقة، وصف الخطوة بـ”الممتازة”، مؤكدا أنها نفذت ضمن نطاق بيئي مدروس.
“هذا النوع لا يمكن إمساكه بسهولة، إذا لم يُطلق في محمية طبيعية، قد يسبب خطرا أكبر عند انتشاره.”
وأوضح أن وادي الناقة يضم نظاما بيئيا متكاملا، فيه طيور جارحة كالصقور والبوم، وحيوانات مفترسة مثل النمس (الشفشة) والقطط البرية، وجميعها تتغذى على الأفاعي، مما يحقق التوازن الطبيعي ويمنع الانفجار البيولوجي.
-حماية الناس رحمة ووعي
في ختام حديثه، يؤكد بوعبد السميع الخزعلي أن مهمته ليست بطولة خارقة بل قبول ورحمة من الله، قائلا:
“مش شجاعة… يمكن الله سخرني لحماية الناس من خطرها، لا أرى الأفاعي أعداء، هي مخلوقات خلقها الله، ولها دورها.”
ويتابع: “بعد كل عملية صيد، ما يبقى داخلي هو دعاء وراحة ضمير، ما أقوم به لا يقاس بالشجاعة، بل بحجم النية والرحمة.”
وبين زحف الأفاعي وزحف العمران، تبقى قصته بمثابة جرس إنذار وتذكير بضرورة التوازن مع الطبيعة، وتقدير ما لا نراه سوى خطرا، بينما يحمل في داخله دورا خفيا لا يستبدل. (الأنباء الليبية) س خ.
-حوار: بشرى العقيلي