أوباري 17 يوليو (الأنباء الليبية) – في إحدى أمسيات يونيو، أحد اشهر القيظ في ليبيا حيث ترتفع درجات الحرارة، خاصة في المناطق الصحراوية، وبينما كانت أسرة علي محمد سيدي من مدينة أوباري تبحث عن نسمة هواء تخفف لهيب يوم منهك، تسلّل الموت إلى بيت هذه الأسرة ليختطف طفلتهم، زهرة، ذات الخمس سنوات.
كانت زهرة، التي كثيرا ما تحلم، بحسب ما ذكرت عمتها، أن تكون طبيبة تعالج الأطفال أو معلمة أو مهندسة، تلهو كعادتها وسط البيت لكن أحلامها وأمانيها اغتيلت ذلك المساء الحزين، عندما تسلل عقرب إلى فضاء البيت البسيط حيث كانت أبواب المنزل مشرعة لدخول القليل من الهواء ليلطف الجو القاسي الذي يكتم الأنفاس بعد انقطاع الكهرباء، وباغت الطفلة الحالمة ليغرز إبرته السامة في جسدها الطري.
روت عمة زهرة زينب محمد سيدي، أن سباقا محموما مع الوقت بدأ ذلك المساء لمحاولة إنقاذ الطفلة الصغيرة التي ملأت البيت بالصراخ والأنين من شدة الألم، وبالفعل سارع والدا زهرة إلى نقل طفلتهما إلى مستشفى أوباري العام حيث تحصّلت على المصل، غير أن جسدها الضعيف لم يحتمل الجرعة المضادة، فاشتدت عليها الآلام، وتفاقمت حالتها الصحية وسط عجز الطاقم الطبي، بحسب العمة المفجوعة، عن السيطرة على الحالة.
في ساعة متأخرة من الليل، وبعد ساعات من القلق والخوف على حياة صغيرتهما، قرر الوالدان نقل الطفلة إلى عيادة خاصة كآخر أمل في قهر سم العقرب وإنقاذ زهرة.
قالت مديرة العيادة، خديجة العنديدي لـ (وال) بصوت حزين وهي تستذكر لحظات موجعة وصادمة من تلك الليلة الفاجعة، إن “زهرة وصلت في حالة حرجة للغاية بعد فوات الأوان وانتشار السم في جسدها، حاولنا بكل الطرق، لكن المحاولات كافة باءت بالفشل، وتوقف قلب زهرة الصغير وماتت أحلامها وأمانيها”.
وأبلغت العنديدي (وال) أن ارتفاع درجات الحرارة وانقطاع الكهرباء يدفع الأهالي إلى فتح النوافذ والأبواب، ما يسهل دخول العقارب إلى المنازل، مشيرة إلى أن غالبية المصابين هم من الأطفال وكبار السن.
ودعت بالمناسبة الجهات المعنية إلى التدخل العاجل من خلال تنفيذ حملات رش، وإزالة المكبات، وتوفير الأمصال، إلى جانب إطلاق حملات توعية مجتمعية للوقاية من هذه الظاهرة المتفاقمة التي أودت بحياة الكثيرين.
وروت عمة الطفلة الهالكة لـ (وال) تفاصيل صادمة عن واقع قاس تعيشه الكثير من أسر الجنوب مشيرة إلى أن مأساة زهرة ليست استثناء بل هي واقع مرير وتحديات يومية يواجهها المواطنون في هذه المنطقة.
وقالت في هذا الصدد بمرارة: “لم نجد حتى ثلاجة تحفظ جسد زهرة الصغيرة… وصلنا إلى مستشفى في ساعة متأخرة من الليل وجدناه خالٍ تماماً… لا أطباء، لا عناصر تمريض، بل حتى حارس الأمن لم يكن في موقع عمله… واجهنا مصابنا وحدنا في جوف الليل في بلد غني منً عليه الله بثروات طائلة لم يستفد منها أبناؤه أحياء وأمواتا… فقدنا زهرة في شدة القيظ وسط انقطاع الكهرباء، وانتشار الحشرات والعناكب السامة، ولا أحد يهتم… كل يوم نفقد أغلى ما نملك… ولا من مجيب”.
إن رحيل زهرة يكشف عجز منظومة صحية متهالكة، وفوضى بيئية قاتلة، وإهمال مزمن اختطف هذه الطفلة الصغيرة قبل أن تتفتح أحلامها. قصتها قد لا تُروى في قاعات المؤتمرات، ولن تُعرض في تقارير الإنجازات، لكنها ستبقى جرحاً نازفاً في قلوب من عرفوها والرسالة التي تنقلها (وال) من خلال متابعة هذه المأساة على لسان أفراد من الأسرة المكلومة، تؤكد حق كل طفل ليبي في الحياة، في العلاج، في الحلم وفي الأمان، وتشدد على ضرورة متابعة المسؤولين وتقديمهم للعدالة بتهمة التقصير إن وُجد.
يُذكر أن مدن وقرى الجنوب الليبي، باتت تشهد ارتفاعا ملحوظا في تعرض المواطنين، خاصة الأطفال وكبار السن، للدغ العقارب والزواحف السامة التي تكاثرت بشكل كبير وغير معهود في أشهر القيظ على خلفية تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة. (الأنباء الليبية) س خ.
- متابعة وصور: أحلام الجبالي