بنغازي 04 يونيو 2026 (الأنباء الليبية) – أعادت قضية مقتل الطفل رواد أحمد خليفة القديري، التي هزت الرأي العام الليبي خلال الأيام الماضية، إلى الواجهة ملف حماية الأطفال في ظل النزاعات الأسرية والتفكك العائلي، وسط مطالبات بتوفير الرعاية النفسية والاجتماعية للأطفال المتضررين وضمان عدم تكرار مثل هذه المآسي.
وفي هذا السياق، ترى مديرة إدارة تنمية الأسرة والطفل بوزارة الشؤون الاجتماعية، عند الفائدي، أن القضية تتجاوز كونها حادثة جنائية مؤلمة إلى كونها مؤشراً على الحاجة إلى تعزيز منظومة حماية الطفل والتدخل المبكر في الحالات الأسرية المعقدة التي قد تهدد سلامة الأطفال وحقوقهم الأساسية.
جرس إنذار للمجتمع والمؤسسات
وقالت الفائدي في مقابلة مع صحيفة (الأنباء الليبية) إن ما جرى للطفل رواد يمثل جرس إنذار للمجتمع والمؤسسات المعنية بضرورة تكثيف الجهود لحماية الأطفال الذين يعيشون في بيئات أسرية مضطربة أو يشهدون نزاعات حادة بين ذويهم.
وأضافت أن الأطفال هم الفئة الأكثر تأثراً بالخلافات الأسرية، وغالباً ما يدفعون الثمن الأكبر نتيجة الصراعات بين الكبار، الأمر الذي يتطلب وضع مصلحتهم الفضلى فوق أي اعتبارات أخرى.
وفي ردها على سؤال بشأن الأبعاد الاجتماعية التي كشفتها القضية، أوضحت الفائدي أن الوقائع المتداولة تشير إلى معاناة ممتدة عاشها عدد من الأطفال داخل بيئة غير مستقرة، ما يؤكد أهمية المتابعة الاجتماعية والنفسية للأطفال المعرضين للمخاطر، وضرورة تفعيل آليات الإبلاغ والتدخل المبكر قبل تفاقم الأوضاع.
وأكدت أن حماية الطفل مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمؤسسات الحكومية والمجتمع، مشيرة إلى أن أي مؤشرات على العنف أو الإهمال أو الحرمان من الحقوق الأساسية يجب أن تلقى استجابة سريعة من الجهات المختصة.
أولية الدعم النفسي والاجتماعي
وفيما يتعلق بالأطفال الآخرين المتأثرين بالقضية، شددت الفائدي على ضرورة إخضاعهم لبرامج دعم نفسي واجتماعي متخصصة لمساعدتهم على تجاوز الآثار التي خلفتها التجربة، والعمل على توفير بيئة آمنة ومستقرة لهم تمكنهم من استعادة حياتهم الطبيعية والعودة إلى مقاعد الدراسة.
وقالت إن الدعم النفسي لا يقل أهمية عن الدعم القانوني أو الاجتماعي، خاصة بالنسبة للأطفال الذين تعرضوا لظروف قاسية أو شهدوا أحداثاً صادمة قد تترك آثاراً طويلة المدى على نموهم النفسي والسلوكي.
ورداً على سؤال حول الإجراءات التي يمكن اتخاذها لمساعدة الأم وأطفالها، أوضحت الفائدي أن أي مسائل تتعلق بالحضانة أو الرعاية القانونية تخضع للقضاء المختص، إلا أن الجهات الاجتماعية يمكنها تقديم المساندة اللازمة من خلال الدعم الاجتماعي والنفسي والإرشاد الأسري، وربط الحالات المستحقة ببرامج الحماية الاجتماعية وفقاً للتشريعات النافذة.
وأضافت أن الوزارة تتابع باهتمام القضايا التي تمس الأطفال وتسعى إلى تعزيز برامج الحماية والرعاية الاجتماعية بالتنسيق مع مختلف الجهات ذات العلاقة لضمان حماية الأطفال وصون حقوقهم.
رؤية إصلاحية: محاكم أسرية متخصصة ومستقلة
وقالت الفائدي إن من بين الخطوات المهمة التي يمكن أن تسهم في الحد من تفاقم النزاعات الأسرية إنشاء محاكم أسرية متخصصة ومستقلة تتولى النظر في قضايا المرأة والطفل والأسرة ضمن بيئة مناسبة وآمنة، وتضم إلى جانب القضاة مختصين في علم النفس والاجع ومستشارين قانونيين ومرشدين دينيين، بما يوفر معالجة شاملة للمشكلات الأسرية قبل وصولها إلى مراحل أكثر تعقيداً.
وأوضحت أن الحاجة إلى هذا النوع من المحاكم تنبع أيضاً من خصوصية المجتمع الليبي وعاداته الاجتماعية، حيث تتردد بعض النساء في مراجعة المحاكم التقليدية أو تُمنع أحياناً من قبل أسرهن من الذهاب إليها بسبب طبيعة القضايا المختلفة المنظورة فيها، والتي قد تشمل قضايا جنائية ونزاعات متنوعة، ما يدفع بعض النساء إلى التنازل عن حقوقهن أو العزوف عن المطالبة بها خشية الوصمة الاجتماعية أو حفاظاً على الاعتبارات الأسرية.
وأضافت أن وجود محكمة أسرية مستقلة ومخصصة لقضايا الأسرة من شأنه أن يطمئن النساء ويشجعهن على المطالبة بحقوقهن وحقوق أطفالهن بصورة مباشرة، دون الحاجة إلى التنازل عنها أو التخلي عنها تحت وطأة الضغوط الاجتماعية، فضلاً عن توفير بيئة مناسبة تمكن المرأة من مراجعة الجهات المختصة والحصول على المشورة القانونية والاجتماعية بسرية وخصوصية.
وأكدت أن وجود أخصائيين اجتماعيين ونفسيين ومستشارين قانونيين داخل هذه المحاكم سيسهم في توعية المرأة بحقوقها وواجباتها، وتعريفها بالإجراءات القانونية والإدارية التي تكفل حصولها على مستحقاتها المالية والاجتماعية، وتوجيهها للاستفادة من برامج الحماية الاجتماعية ومعاشات الضمان الاجتماعي وغيرها من الخدمات المتاحة.
تفعيل لجان المصالحة والمأمورين القضائيين
كما دعت إلى إعادة تفعيل لجان المصالحة المجتمعية التي كانت تعمل في السابق على مستوى البلديات والأحياء، مشيرة إلى أنها لعبت دوراً مهماً في معالجة العديد من النزاعات الأسرية قبل وصولها إلى أروقة المحاكم، وساهمت في إيجاد حلول توافقية تحافظ على تماسك الأسرة وتحمي الأطفال من آثار الخلافات بين الكبار.
وأكدت أن وجود مأمورين قضائيين داخل المحاكم الأسرية سيسهم في تسريع تنفيذ الأحكام المتعلقة بالنفقة والحضانة والسكن وغيرها من الحقوق الأسرية، بما يضمن حصول أصحاب الحقوق على قراراتهم في الوقت المناسب ويحد من المشكلات التي تنشأ نتيجة تأخر تنفيذ الأحكام.
الدروس المستفادة واستراتيجيات الوقاية
وحول الدروس المستفادة من القضية، رأت الفائدي أن أهم ما يجب استخلاصه هو ضرورة تعزيز الوعي بحقوق الطفل وحقوق المرأة، وتطوير آليات الرصد والتبليغ، وتوفير شبكات دعم أكثر فاعلية للأسر الهشة، بما يسهم في منع وقوع حالات مشابهة مستقبللاً.
وأضافت أن عدداً من حالات العنف الأسري التي شهدها المجتمع خلال السنوات الأخيرة ارتبط بضعف الوعي القانوني والاجتماعي لدى بعض الأسر وعدم معرفتها بآليات اللجوء إلى المؤسسات المختصة للحصول على الحماية والدعم، الأمر الذي أدى في بعض الحالات إلى ضياع الحقوق وتعريض الأطفال لمخاطر جسيمة.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن حماية الأطفال ليست مسؤولية جهة واحدة، بل واجب وطني ومجتمعي يتطلب تضافر جهود الجميع، مشددة على أن الاستثمار في التوعية الأسرية وتسهيل الوصول إلى الخدمات القانونية والاجتماعية والنفسية يمثل أحد أهم أدوات الوقاية من العنف والتفكك الأسري، ويضمن حق كل طفل في الأمن الرعاية والحياة الكريمة.(الأنباء الليبية – بنغازي) أ د
متابعة: أحلام الجبالي
