بنغازي 02 نوفمبر 2026 (الأنباء الليبية)- على مسافة نحو خمسة عشر كيلومتراً غرب بنغازي، تحتفظ أطلال قصور الغليثة بمنطقة تيكا ببقايا منشأة حجرية تعود إلى العصور القديمة، تقدم شواهد معمارية على طبيعة التحصينات وأنماط الاستقرار في ريف إقليم برقة، وعلاقة المراكز الحضرية بالمستوطنات الزراعية المحيطة بها.
وتشير تقديرات أثرية سابقة إلى أن الموقع يرجع إلى أواخر القرن الثاني أو بدايات القرن الثالث الميلادي، فيما يرجح الباحث في مجال الآثار جلال العبيدي، استناداً إلى دراسته للعناصر والتقنيات المعمارية، أن المنشأة تعود إلى القرن الرابع الميلادي، وهو تأريخ يحتاج إلى مزيد من الأدلة الميدانية والحفريات الأثرية لتأكيده.
منشأة واحدة وتسميات متعددة
وأوضح العبيدي أن المنشأة القائمة حالياً تمثل، وفق ما أظهرته دراسته، قصراً واحداً، مرجحاً أن تكون تسمية “قصور الغليثة” مرتبطة بوجود مبانٍ ومنشآت أخرى في محيط الموقع اندثرت أو أزيلت مع مرور الزمن.
وأشار إلى احتمال آخر يتمثل في وجود مجموعة من القصور والمنشآت المتقاربة في المنطقة، من بينها قصر عبيد وقصر كزيم وقصر الثعالب وقصر عبد المولى، وهو ما قد يكون أسهم في انتشار التسمية بصيغتها الحالية.
وتتعدد التفسيرات المتداولة بشأن أصل اسم “الغليثة”، إذ تربط رواية محلية التسمية بمصطلح “الغَلَث”، الذي يشير إلى خليط الحبوب، مثل القمح والشعير وما قد يختلط بهما من شوائب وتبن، فيما يطرح تفسير آخر احتمال ارتباط الاسم بطبيعة التربة المدكوكة المستخدمة في بعض أجزاء البناء.
وقال العبيدي إن أجزاء من المنشأة، خصوصاً في الجهات الشمالية والجنوبية والشرقية، تتضمن طبقات من التربة المدكوكة المخلوطة بالجير وكسر الفخار والحصى الصغير، وهي تقنيات أسهمت في زيادة صلابة الجدران ومقاومتها لعوامل التآكل والانهيار.
قرائن معمارية ترجح الوظيفة الدفاعية
وبحسب القراءة المعمارية التي قدمها الباحث، فإن قصور الغليثة تمثل نموذجاً لمنشأة عسكرية رومانية ذات وظيفة دفاعية، يُرجح أنها أقيمت لحماية المستوطنات الزراعية والطرق المؤدية إلى المراكز الحضرية، وفي مقدمتها برنيقي القديمة، الاسم الذي عُرفت به بنغازي في العصور القديمة.
وأوضح أن موقع المنشأة وعناصرها المعمارية يدعمان فرضية استخدامها ضمن منظومة دفاعية متقدمة، لمراقبة التحركات في محيط التجمعات السكانية والطرق التجارية، وتوفير الإنذار المبكر عند اقتراب الأخطار.
وأشار إلى أن شبكة التحصينات الرومانية في بعض المناطق اعتمدت على الاتصال البصري بين الحصون والأبراج، بما يسمح بتمرير إشارات التحذير باستخدام النار والدخان من موقع إلى آخر، وصولاً إلى المراكز الرئيسية.
وأضاف أن هذه المنشآت لم تكن بالضرورة مراكز للإنتاج الزراعي، وإنما ارتبطت بالمستوطنات الريفية المحيطة بها، وأسهمت في حماية السكان والأنشطة الزراعية والقوافل التجارية، بما يدعم استمرار الاستقرار وحركة السلع بين الريف والمدينة.
ريف برنيقي.. امتداد اقتصادي للمدينة
وتبرز أهمية الموقع أيضاً في سياق علاقته بالمحيط الزراعي لبرنيقي القديمة، إذ تشير المعطيات التاريخية والأثرية إلى انتشار مستوطنات ومزارع ريفية في المنطقة، اعتمدت على إنتاج الحبوب والعنب والزيتون، إلى جانب منتجات زراعية أخرى.
ويرى العبيدي أن دراسة هذه المواقع الريفية تمثل جانباً أساسياً لفهم الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المدينة القديمة، إذ لا تقتصر أهميتها على المنشآت الدفاعية، بل تمتد إلى ما يمكن أن تكشفه المكتشفات الأثرية عن أنماط الغذاء والتخزين والطهي والإنارة، وحركة السلع والتبادل التجاري.
وأوضح أن الفخار والعملات والأدوات وبقايا المنشآت الزراعية ومعاصر الزيتون توفر مؤشرات تساعد الباحثين على إعادة بناء تفاصيل الحياة اليومية، وفهم طبيعة العلاقات الاقتصادية بين المستوطنات الريفية والمراكز الحضرية.
رواية تخزين الحبوب.. بين الموروث والدليل
وتتداول روايات محلية أن الموقع استخدم خلال الفترة العثمانية مخزناً للحبوب، وأنه ارتبط بتخزينها وتوزيعها في أوقات الشدة والمجاعة، غير أن العبيدي أكد عدم توفر أدلة أثرية أو وثائق تاريخية تثبت هذه الرواية حتى الآن.
وأوضح أن احتمال إعادة استخدام المنشأة في مرحلة لاحقة لأغراض التخزين لا يمكن استبعاده بصورة نهائية، لكنه يظل فرضية تحتاج إلى أدلة ميدانية، مشيراً إلى أن طبيعة المبنى في حالته الراهنة لا تقدم مؤشرات كافية على أنه أنشئ أساساً لهذا الغرض.
ويؤكد هذا التمييز أهمية الفصل بين الموروث المحلي والنتائج التي يمكن إثباتها علمياً، خصوصاً في المواقع التي شهدت مراحل استخدام متعددة، أو تعرضت أجزاء منها للتغيير وإعادة البناء على مر العصور.
الفخار والعملات.. مؤشرات تنتظر الحفريات
ولم يخضع موقع قصور الغليثة حتى الآن لحفريات أثرية واسعة تسمح بتحديد مراحله التاريخية ووظائفه المختلفة بصورة دقيقة، وفق ما أفاد به العبيدي.
وأشار إلى انتشار الفخار الروماني في الموقع، إلى جانب العثور على عملة بيزنطية ضمن الردميات، وهي معطيات يمكن أن تساعد في دراسة التسلسل الزمني للمكان، لكنها لا تكفي وحدها لحسم تاريخ إنشائه أو تحديد جميع مراحل استخدامه.
وأضاف أن دراسته التي أجراها خلال عام 2025، تحت عنوان “قصور الغليثة: دراسة للعناصر والتقنيات المعمارية”، تناولت أبعاد المنشأة ومقاساتها ومواد البناء وأساليب التشييد، واعتمدت على تحليل العناصر المعمارية ومقارنتها بمنشآت مشابهة في المنطقة، في ظل غياب نقوش أو وثائق مباشرة تحدد وظيفة المبنى.
ولفت إلى أن الموقع حظي باهتمام بعض الباحثين الأجانب، من بينهم الضابط البريطاني غولدشايد، الذي أشار إليه خلال خمسينيات القرن الماضي بوصفه منشأة دفاعية رومانية، وهو ما يعزز أهمية استكمال الدراسات المتخصصة بشأنه.
ترميم يعيد الاهتمام بالموقع
وفي إطار جهود صيانة الموقع، أعلنت مراقبة آثار بنغازي في السابع والعشرين من سبتمبر الماضي اختتام أعمال ترميم أحد الأقواس الحجرية، بعد أعمال استمرت قرابة أسبوعين ونفذتها كوادر المراقبة بجهود ذاتية.
وتأتي هذه الخطوة ضمن أعمال سابقة استهدفت تنظيف الموقع وتدعيم بعض أجزائه وإعادة بناء قوس متضرر في الطابق العلوي باستخدام الأحجار الأصلية، مع مراعاة الحفاظ على الطابع المعماري للمنشأة.
كما أعلنت المراقبة توجهها لإدراج الموقع ضمن حملاتها التوعوية، بهدف التعريف بقيمته الأثرية وتعزيز مشاركة المجتمع المحلي في حمايته.
وتضع أعمال الصيانة قصور الغليثة أمام حاجة متزامنة إلى حماية ما تبقى من عناصرها المعمارية، وإجراء حفريات ودراسات ميدانية تسهم في التحقق من تاريخها ووظيفتها، وتحديد مراحل استخدامها المختلفة.
وبين الجدران الحجرية والأقواس وطبقات البناء القديمة، تظل قصور الغليثة شاهداً على جانب من تاريخ ريف برقة، وعلى شبكة المنشآت التي ارتبطت بحماية المستوطنات والطرق المحيطة ببرنيقي القديمة. (الأنباء الليبية) ك م
تقرير: حنان الحوتي