بنغازي 08 أكتوبر 2026 (الأنباء الليبية) – بعد نحو شهر من توقف الدراسة وما رافقه من ارتباك في العملية التعليمية، تدخل أزمة اعتصام المعلمين مرحلة جديدة عقب الاتفاق الذي أفضى إلى استئناف الدراسة، في وقت لا يزال فيه تقييم الاتفاق محل نقاش داخل أوساط المعلمين، بين من يراه خطوة نحو معالجة عدد من المطالب، ومن يؤكد أن فك الاعتصام لا يعني إغلاق ملف الحقوق.
وكان المعلمون قد أعلنوا خلال الأشهر الماضية عن تحركات واعتصامات للمطالبة بتحسين أوضاعهم الوظيفية والمالية، قبل أن يتصاعد الحراك مع بداية العام الدراسي، وصولًا إلى إعلان الإضراب العام رسميًا في 27 سبتمبر، وفق ما أعلنته نقابة المعلمين.
ويقدم رئيس حراك المعلمين في المنطقة الشرقية، أسامة الشكماك، قراءة للاتفاق تقوم على الفصل بين الإعلان عن معالجة المطالب وتنفيذها فعليًا، مؤكدًا أن الحراك لا ينظر إلى الاتفاق باعتباره نهاية للأزمة، وإنما بداية لاختبار مدى الالتزام بما تم الاتفاق عليه.
بين الإعلان عن المطالب وتنفيذها
وقال الشكماك لصحيفة الأنباء الليبية، إن حراك المعلمين في المنطقة الشرقية ينظر إلى الاتفاق من زاوية أساسية مفادها أن «العبرة ليست بما يُقال في الاجتماعات، وإنما بما يُنفذ على أرض الواقع”، مؤكدًا أن الحراك لا يرفض أي خطوة يمكن أن تحقق للمعلم حقًا من حقوقه، لكنه لا يستطيع في الوقت ذاته اعتبار الاتفاق نهاية للمشكلة، باعتبار أن مطالب المعلمين ليست جديدة أو طارئة، وإنما حقوق يطالبون بها منذ سنوات.
وأوضح أن مطالب الحراك تتمثل في خمسة ملفات رئيسية، هي الفروقات المالية، والتأمين الصحي، وقانون حماية المعلم، والجدول الموحد، وعلاوة الحصة وما يرتبط بها من علاوات وحقوق، مشيرًا إلى أن الحراك سيعمل على متابعة تنفيذ هذه الملفات بندًا بندًا، لأن المعلم، بحسب تعبيره، لم يعد يريد وعودًا جديدة، وإنما حقوقًا ملموسة.
ويرى الشكماك أن الاتفاق لا يمكن اعتباره مستجيبًا بصورة كاملة للمطالب الخمسة، موضحًا أن وجود بنود معلنة يمثل خطوة تؤخذ في الاعتبار، لكن هناك فرقًا بين الإعلان عن معالجة الملف وتنفيذ الحق فعليًا.
وضرب مثالًا بملف الفروقات المالية، موضحًا أن الحديث عن حصر الفروقات يمثل خطوة، لكن المعلم لا يزال ينتظر معرفة مستحقاته وآلية صرفها وموعد الصرف، فيما شدد بشأن التأمين الصحي على أن المطلوب ليس إدراجه كعنوان في محضر اجتماع، وإنما تحويله إلى خدمة حقيقية يستفيد منها المعلم وأسرته.
وفيما يتعلق بقانون حماية المعلم، أكد أن المطلوب هو حماية قانونية واضحة تحفظ كرامة المعلم وتصون مكانته أثناء أداء رسالته، بينما شدد بشأن علاوة الحصة على ضرورة انتظامها ومعالجة أي تمييز أو خلل يتعلق بها.
الجدول الموحد وضمانات التنفيذ
ويبرز ملف الجدول الموحد بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية في تقييم الاتفاق، إذ يرى رئيس حراك المعلمين في المنطقة الشرقية أن الجدول بصورته المعلنة “لم يلبِّ ما يطمح إليه المعلم”، واصفًا النتيجة بأنها مخيبة للآمال من وجهة نظر الحراك.
وأوضح أن المعلمين لم يطالبوا بمجرد جدول يحمل اسم “الجدول الموحد”، وإنما طالبوا بتحقيق العدالة في المرتبات وإنصاف المعلم مقارنة ببقية القطاعات، معتبرًا أن التوحيد لا ينبغي أن يقتصر على إعادة ترتيب الدرجات والمسميات، بينما يبقى المعلم، بحسب وصفه، يشعر بعدم حصوله على العدالة التي طالب بها.
وأكد أن المطلوب هو “جدول موحد يحقق العدالة، وليس جدولًا موحدًا بالاسم فقط”، داعيًا إلى مراجعة الملف والاستماع إلى ملاحظات المعلمين، باعتبار أن الهدف من المطالبة به كان رفع الظلم وتحقيق الإنصاف، وليس مجرد إصدار جدول جديد.
ولا يرى الحراك أن الاتفاق يمكن أن يكتسب صفته النهائية دون ضمانات واضحة للتنفيذ، إذ يطالب الشكماك بأن يكون التنفيذ مكتوبًا ومحددًا بزمن، مع معرفة الجهة المسؤولة عن كل بند، وآلية التنفيذ، والمدة الزمنية، وموعد وصول الحقوق إلى المعلمين.
ويستند هذا الموقف، وفق الشكماك، إلى تجربة سابقة مع الوعود والاتفاقات، قائلًا إن المعلمين سمعوا خلال السنوات الماضية الكثير من الوعود، الأمر الذي جعلهم أكثر حذرًا من تكرار اتفاقات لا تنتهي إلى نتائج ملموسة.
وأضاف أن الحراك لا يريد اتفاقًا جديدًا ينضم إلى سلسلة الاتفاقات السابقة، ثم يعود المعلمون بعد أشهر للسؤال عن مصير التنفيذ، مؤكدًا أن الاختبار الحقيقي للاتفاق يبدأ بعد إعلان بنوده، وليس عند توقيعه أو الإعلان عنه.
وكشف الشكماك عن إضافة مطلب سادس يتعلق بالمسؤولين الذين يثبت، بحسب الحراك، وقوفهم ضد حقوق المعلمين أو عرقلتهم لتنفيذها.
وأوضح أن هذا المطلب جاء نتيجة تراكمات، وليس على خلفية خلاف شخصي مع أي مسؤول، مؤكدًا أن الحراك لا يستهدف الأشخاص لمجرد الاختلاف في الرأي، وإنما يرى أن المسؤول الذي تقع على عاتقه مسؤولية تنفيذ حقوق المعلمين ثم يثبت أنه يعرقل أو يعطل تلك الحقوق، يجب أن يتحمل مسؤوليته وفق القانون، سواء بالمحاسبة أو الإعفاء من موقعه.
فك الاعتصام لا يعني انتهاء ملف الحقوق
ومع عودة الدراسة، يبرز سؤال حول ما إذا كان الاتفاق قد أنهى اعتصام المعلمين بصورة نهائية، وهو ما يجيب عنه الشكماك بالتفريق بين الاتفاق وتنفيذه.
وقال إن الاتفاق “ليس شيكًا على بياض”، ولا يعني أن ملف حقوق المعلمين قد أُغلق، معتبرًا أن المعيار الحقيقي سيكون ما سيحدث في مرتبات المعلمين وحقوقهم على أرض الواقع.
وأكد أن الحراك يريد عودة التعليم إلى الاستقرار، ويريد للطلاب مواصلة دراستهم، لكنه يريد في الوقت نفسه أن يعود المعلم إلى عمله وهو يشعر بأن كرامته وحقوقه مصانة.
وفي حال عدم تنفيذ الاتفاقات أو تجزئة المطالب أو العودة إلى سياسة الوعود والتأجيل، أوضح الشكماك أن الحراك لن يستبق الأحداث، لكنه سيعود إلى النقابات وقواعد المعلمين، على أن يكون أي تحرك مقبل جماعيًا ومنظمًا، وباستخدام الوسائل السلمية والقانونية التي يكفلها القانون للمطالبة بالحقوق.
وكان نقيب المعلمين في بنغازي، محمد الجحاوي، قد أعلن استئناف الدراسة في جميع البلديات عقب الاتفاق على عدد من مطالب المعلمين، مشيرًا إلى الاتفاق على تعديل مرتبات المعلمين خلال الأشهر المقبلة.
ويؤكد الشكماك أن رسالة الحراك للمعلمين تقوم على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف، مشددًا على أن ما تحقق سيُرحب به، وما لم يتحقق ستستمر المطالبة به بالطرق السلمية والقانونية، مؤكدًا أن القضية، من وجهة نظر الحراك، لا تتعلق بمجرد زيادة في المرتبات أو إصدار جدول جديد، وإنما بتحقيق كرامة المعلم وحقوقه بصورة ملموسة. (الأنباء الليبية) ك و
تقرير : فاطمة الورفلي