طرابلس 30 سبتمبر 2026 (الأنباء الليبية) – دخلت أزمة المعلمين في ليبيا مرحلة جديدة مع انتقال التحرك الاحتجاجي من الاعتصام الذي رافق انطلاق العام الدراسي إلى إضراب عام شمل المدارس في مختلف أنحاء البلاد اعتبارا من 27 سبتمبر الجاري، في ظل استمرار الخلاف حول المرتبات والمستحقات والتأمين الصحي وتفعيل التشريعات المنظمة لحقوق المعلمين.
وكان المعلمون قد بدأوا اعتصاما لمدة 15 يوما مع انطلاق العام الدراسي في 13 سبتمبر، مطالبين بتسوية أوضاعهم المالية والوظيفية وتحسين مرتباتهم، قبل أن تعلن النقابة العامة الانتقال إلى الإضراب العام بعد انتهاء المهلة دون الوصول إلى اتفاق.
وفي تطور مواز، وجّه وزير التربية والتعليم مراقبي التعليم في البلديات إلى فتح المدارس واستقبال التلاميذ، مؤكدا متابعة مطالب المعلمين ومساعي الحكومة لمعالجتها، غير أن النقابة العامة رفضت التعميم، معتبرة أن إنهاء الحراك لا يمكن أن يتم بقرارات أحادية أو بمجرد الوعود، وتمسكت بصدور قرارات رسمية وبدء تنفيذ فعلي للمطالب.
ويأتي ذلك فيما تتزايد المخاوف بشأن الآثار التعليمية والاجتماعية لاستمرار تعطّل الدراسة، ولا سيما على تلاميذ الشهادات العامة والسنوات النهائية، وعلى الأسر محدودة الدخل التي لا تملك القدرة على اللجوء إلى المدارس الخاصة أو تحمل تكاليف الدروس الخصوصية.
وقد أعاد تعليق كتبه أحد المدونين على منصات التواصل الاجتماعي هذه المفارقة إلى الواجهة، متسائلا في جوهره عن مصير “أطفال الأثرياء الذين يعودون إلى مقاعد المدارس الخاصة، وأطفال الفقراء، الأغلبية الصامتة، الذين يحرمون من التعليم”.
مطالب المعلمين ومسار الإضراب
وفي حديث حول هذه المسألة، أقر نقيب معلمي طرابلس الكبرى، أشرف أبوراوي، بأن أبناء الأسر محدودة الدخل هم بالفعل الأكثر تضررا من توقف الدراسة، لكنه قال إن هذا الضرر لا ينبغي أن يُحمّل للمعلم وحده، معتبراً أن استمرار تدهور أوضاع المعلمين ينعكس على المدرسة العامة نفسها، وقد يدفع الكفاءات إلى مغادرة المهنة أو البحث عن مصادر دخل إضافية.
وأبلغ أبوراوي مراسلة لوكالة الأنباء الليبية في طرابلس مساء أمس الثلاثاء، أن النقابة وضعت آثار الإضراب على التلاميذ في حساباتها، مشيرا إلى أن التحرك لم يبدأ بصورة مفاجئة، بل سبقه اعتصام واحتجاجات ومنح الحكومة مهلة للتحرك، وأن النقابة مستعدة، فور استئناف الدراسة، للمشاركة في أي خطة تعويضية مكثفة، بما في ذلك تكثيف الحصص وتمديد الفصل الدراسي وبرامج دعم مركزة لتلاميذ الشهادات.
وأكد النقيب أن الإضراب الحالي مفتوح ولا يرتبط بسقف زمني محدد، وأن إنهاءه مرتبط، من وجهة نظر النقابة، بصدور قرارات رسمية وبدء تنفيذ فعلي للمطالب، وليس بمجرد وعود جديدة، مشيرا إلى أن المعلمين سمعوا خلال السنوات الماضية كثيرا من الوعود المتعلقة بتحسين أوضاعهم وتوحيد جدول المرتبات دون أن يروا، بحسب قوله، نتائج ملموسة.
وفي المقابل، شدد على أن قنوات الحوار مع الحكومة لم تُغلق، وأن لقاءات عقدت مع ممثلين عنها لبحث تحسين المرتبات والتأمين الصحي وتفعيل التشريعات، إلا أن نقطة الخلاف الأساسية تتمثل، وفق تصوره، في الانتقال من الحديث عن حلول مستقبلية إلى قرارات وإجراءات قابلة للتنفيذ.
وتتمثل أبرز مطالب المعلمين في توحيد وتحسين جدول المرتبات، وصرف الفروقات والمستحقات المالية المتأخرة، وعلاوة الحصة وعلاوة الإدارة، إضافة إلى توفير التأمين الصحي للمعلمين وأسرهم وتفعيل التشريعات الضامنة لحقوقهم. وقد أكدت النقابة في بياناتها الأخيرة تمسكها بهذه المطالب وربطت إنهاء الإضراب بخطوات عملية لتنفيذها.
بين المطالب المالية وعودة الدراسة
وردا على الحجة القائلة إن بعض المطالب تحتاج إلى اعتمادات مالية وإجراءات قانونية، قال النقيب إن النقابة تتفهم الاعتبارات المالية والقانونية، لكنها تعتبر أن المطالب ليست جديدة، وأن بالإمكان تنفيذها بصورة تدريجية إذا توافرت الإرادة اللازمة، مؤكدا أن الفروقات المستحقة، من وجهة نظر النقابة، حقوق قانونية وليست منّة.
وبشأن إمكانية اعتماد حل مرحلي يعيد التلاميذ إلى المدارس مع استمرار التفاوض حول بقية المطالب، أكد أن النقابة لا ترفض من حيث المبدأ مثل هذا المسار، لكنها تريد أن يسبق رفع الإضراب صدور قرارات رسمية والبدء الفعلي في تنفيذ بعض المطالب، مع إمكانية مواصلة التفاوض بشأن بقية الملفات ضمن جدول زمني واضح وملزم.
وقال إن المقترح الذي طرحته النقابة يتضمن إصدار قرارات رسمية بشأن توحيد المرتبات وصرف الفروقات وتفعيل التأمين الصحي، والبدء في تنفيذ بند أو بندين منها كدليل على جدية المعالجة، مقابل عودة الدراسة واستمرار التفاوض بشأن بقية المطالب.
وفي ما يتعلق بالمعلمين أنفسهم، أقر النقيب بأن سنوات الانتظار والمفاوضات غير المحسومة خلقت حالة من الإحباط، معتبرا أن الإضراب جاء، بحسب النقابة، بعد استنفاد الوسائل النقابية والقانونية الأخرى، وأن وحدة الموقف النقابي على مستوى البلاد هي التي دفعت إلى التصعيد الحالي.
وفي الوقت نفسه، أقر أبوراوي بوجود آلية لمراجعة الموقف، موضحا أن النقابات الفرعية والجمعيات العمومية تواصل تقييم التطورات، وأن أي مراجعة لقرار الإضراب ينبغي أن توازن بين كلفة تعطيل الدراسة وكلفة التراجع عن المطالب دون تحقيق نتائج.
أما بشأن الفاقد التعليمي، فقال إن النقابة لا تريد تقديم أرقام تقريبية في الوقت الراهن، باعتبار أن الإضراب العام بدأ رسمياً في 27 سبتمبر، فيما سبقته اعتصامات متفاوتة التأثير على انتظام الدراسة، مؤكدا استعداد المعلمين للعمل على تعويض ما فقده التلاميذ فور عودة الدراسة.
الفاقد التعليمي ومخاوف الأسر
وفي ما يتعلق بالأسر التي لا تستطيع تحمل تكاليف المدارس الخاصة أو الدروس الخصوصية، يرى النقيب أن الفجوة التعليمية موجودة أصلا وتتسع مع تراجع أوضاع المدرسة العامة، وأن إنصاف المعلم وتحسين ظروف عمله يمثلان، من وجهة نظره، جزءا من معالجة هذه الفجوة وليس سببا في اتساعها.
لكن استمرار الأزمة يضع هذه الرؤية أمام اختبار عملي صعب، إذ إن كل يوم إضافي من توقف الدراسة يعني فاقدا تعليميا جديدا، وتزداد حساسية الأمر بالنسبة إلى تلاميذ الشهادات العامة والسنوات الدراسية النهائية، في وقت لم يعد فيه العام الدراسي في بدايته فقط، بل دخل بالفعل مرحلة التوتر بين مطلبين لا يمكن تجاهل أي منهما: حقوق المعلمين وحق التلاميذ في التعليم.
وإزاء هذا المشهد، تبدو الكرة في ملعب الحوار أكثر من أي وقت مضى. فالحكومة مطالبة، بحسب ما تؤكده النقابة، بتحويل الوعود إلى قرارات قابلة للتنفيذ، فيما تواجه النقابة مسؤولية موازية تتمثل في حماية العام الدراسي وعدم السماح بأن يتحول الخلاف على الحقوق إلى فاقد تعليمي يصعب تعويضه، خصوصاً بالنسبة إلى أبناء الأسر محدودة الدخل.
وقد يفتح هذا التعقيد الباب أمام صيغة وسطية تقوم على قرارات حكومية عاجلة وملزمة بشأن عدد من المطالب الأساسية، يتزامن تنفيذها مع استئناف الدراسة، ووضع جدول زمني واضح لبقية الملفات، إلى جانب خطة تعويضية للفاقد التعليمي.
ويرى مراقبون أن مثل هذا المسار، إن أمكن التوافق عليه، قد ينقل الأزمة من منطق شدّ الحبل إلى منطق معالجة الملفات بندا بندا، ويحفظ للمعلم حقه في المطالبة بظروف عمل عادلة، وللتلميذ حقه في العودة إلى مقعد الدراسة، وللأسرة الليبية حقها في عام دراسي مستقر لا يدفع أبناؤها ثمن الخلاف بين أطراف العملية التعليمية. (الأنباء الليبية) ك و
متابعة وتصوير – أميرة التومي