بنغازي 16 سبتمبر 2026 (الأنباء الليبية) – أثارت واقعة تعنيف أحد الأطفال داخل مركز لتحفيظ القرآن الكريم، عقب تداول مقطع مصور يظهر أحد المُحّفظين وهو يضرب طفلًا على قدميه، نقاشًا واسعًا حول أساليب التأديب المتبعة داخل مراكز التحفيظ، والضوابط التربوية الواجب مراعاتها في التعامل مع الأطفال والناشئة.
وتأتي الواقعة في وقت تؤكد فيه الجهات المختصة؛ أن مراكز تحفيظ القرآن الكريم يفترض أن توفر بيئة تعليمية وتربوية آمنة، تقوم على الرفق والحكمة والتوجيه، بما يُعزّز علاقة الناشئة بالقرآن الكريم والقيم التي يدعو إليها.
وقال الاختصاصي النفسي والمختص في تعديل السلوك، الدكتور خالد عطية، إن انتقال العنف إلى المؤسسات التعليمية ودور تحفيظ القرآن يُمثل أمرًا مُؤلمًا، مُؤكدًا أن هذه المراكز ينبغي أن تكون بيئة يشعر فيها الطفل بالأمان والطمأنينة.
وأوضح عطية أن ما ظهر في المقطع يُمثل شكلًا من أشكال العنف الجسدي والنفسي واللفظي الذي قد يتعرض له الأطفال، مُشددًا على أن تعليم القرآن والدعوة إلى الله ينبغي أن يقوما على الحكمة والموعظة الحسنة والرفق.
وأشار إلى أن تعرض الطفل لمثلِ هذه التجارب قد يترك آثارًا نفسية وسلوكية تنعكس على علاقته بالتعلم والمحيط الاجتماعي والقيم الروحية، داعيًا إلى توفير الدعم النفسي والروحي للأطفال الذين يتعرضون للعنف، إلى جانب التعامل مع المتجاوزين وفق الأطر القانونية والشرعية والإجراءات المعمول بها.
من جانبها، قالت المختصة في علم نفس الطفل، الدكتور إيناس بن سليم، إن حفظ القرآن يمكن أن يتحول إلى تجربة نفسية ضاغطة بالنسبة للطفل عندما يقترن بالعنف، بما قد يُؤثر في شعوره بالأمان وتقديره لذاته ودافعيته للتعلم وعلاقته بالمحيطين به.
وأضافت أن تكرار الخبرات العنيفة؛ قد يرتبط بظهور أعراض القلق واضطرابات سلوكية وانفعالية أو أعراض مرتبطة بالصدمة النفسية، مُحذرةً من إمكانية نشوء ارتباط نفسي بين عملية الحفظ من جهة والخوف والألم والعقاب من جهة أخرى.
وأكدت بن سليم أن المشكلة لا تتعلق بالقرآن الكريم أو بعملية الحفظ في حد ذاتها، وإنما بالأسلوب العنيف المستخدم مع الطفل وما قد يترتب عليه من آثار نفسية، مُشيرةً إلى أن استمرار التعنيف من دون تدخل قد ينعكس على الثقة بالنفس والعلاقات الاجتماعية والدافعية للتعلم.
وفي السياق ذاته، تابعت إدارة شؤون القرآن الكريم والسنة النبوية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ما جرى تداوله بشأن الواقعة، وأكدت أن الاعتداء على الطلاب وإيذاءهم مرفوض شرعًا وتربويًا وإداريًا.
وأوضحت الإدارة، في بيان لها، أن تعليم كتاب الله تعالى وتربية الناشئة يقومان على الرفق والحكمة وحسن القدوة، مستشهدة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله رفيق يحب الرفق».
وأكدت أن الطلاب أمانة، وأن سلامتهم وكرامتهم مسؤولية لا تقبل التهاون، مُوضحةً أن اللائحة المنظمة لعمل مراكز التحفيظ، تنص على منع الضرب المبرح للطلاب، مع ضرورة مُراعاة الأصول والضوابط التربوية في التعامل معهم، وأن أي تجاوز لهذه الضوابط يُعد مخالفة تستوجب المعالجة والمساءلة وفق الإجراءات المعتمدة.
وشدّدت الإدارة على أن الغاية من تعليم القرآن الكريم، هي تحبيب الناشئة في كتاب الله وربطهم به علمًا وعملًا وخُلقًا، وأن دور المعلم لا يقتصر على تحفيظ الآيات، بل يمتد إلى غرس حسن الخلق والأدب والاستقامة.
وفي المقابل، أكدت الإدارة أن معالجة الخطأ في واقعة بعينها لا ينبغي أن تحجب الجهود التي يبذلها محفظو كتاب الله في تعليم الناشئة وتقوية محفوظهم، مُشيرةً إلى أن مساءلة المخطئ لا تعني تعميم المسؤولية على جميع المعلمين أو الانتقاص من رسالة مراكز تحفيظ القرآن الكريم.
وبيّنت أن التعامل مع مثل هذه الوقائع يقتضي معالجة التجاوز، وصون كرامة الطالب، وتوجيه المعلم، مع الحفاظ على مكانة المعلم واستمرار رسالة تعليم كتاب الله وتربية الناشئة وفق الضوابط التربوية والتنظيمية.
وجدّدت إدارة شؤون القرآن الكريم والسنة النبوية التزامها بحماية الطلاب، وتعزيز الإشراف والمتابعة، ورفع مستوى التأهيل التربوي للعاملين في مراكز التحفيظ، بما يُسهم في توفير بيئة آمنة تجمع بين إتقان تعليم كتاب الله تعالى والتربية على الإيمان والأخلاق والآداب. (الأنباء الليبية – بنغازي) ر ت
متابعة | فاطمة الورفلي