سرت 15 سبتمبر 2026 (الأنباء الليبية) – لم يكن مسلسل “شط الحرية”، مجرد عمل كوميدي نجح في استقطاب الجمهور الليبي، بل تحولت تجربته، مع اتساع دائرة متابعيه وانتشار شخصياته ومشاهده، إلى نموذج لافتا في صناعة المحتوى المحلي، يكشف كيف يمكن لفكرة بسيطة وبيئة تصوير محدودة الإمكانات أن تصنعا حضورا جماهيريا واسعا وقيمة إعلامية قابلة للاستثمار.
وفي هذا الجاب يرى الأكاديمي عبدالله محمد أطبيقه، من قسم الإعلام بجامعة سرت، أن تجربة المسلسل، من تأليف وإخراج فتحي القابسي، تتجاوز حدود النجاح الدرامي التقليدي، لتقدم درسا في الاستثمار الإعلامي الذكي، يقوم على فهم الجمهور والاقتراب من ثقافته وتفاصيل حياته اليومية، بدلا من الاعتماد على ضخامة الإنتاج أو ارتفاع تكلفته.
ويشير أطبيقه إلى أن أحد أبرز عناصر قوة المسلسل تمثل في اعتماده على البيئة الليبية المحلية، وتحديدا البيئة البدوية في أجدابيا وشرق البلاد، حيث شكلت الخيمة والصحراء والقرية الليبية مسرحا للأحداث، وهو ما منح العمل هويته الخاصة، وفي الوقت ذاته أسهم في خفض تكاليف الإنتاج، لتصبح محدودية الإمكانات جزءا من خصوصية التجربة وليس عائقا أمام نجاحها.
وبالتوازي مع ذلك، نجح النص في بناء مجموعة من الشخصيات التي تحولت إلى علامات مرتبطة بالمسلسل، من بينها بورقبة، والهمندعي، وقوبعة، وأمويلة، وامراجع، وبوسالمين، ومشري، وحسن الحول، والفقيه زيدان، وغيرها من الشخصيات التي استطاعت أن تلامس الجمهور من خلال مواقفها وتفاصيلها اليومية.
ولا يقتصر حضور هذه الشخصيات، بحسب رؤية أطبيقه، على الجانب الكوميدي، إذ حملت في سلوكها ومواقفها إشارات وإسقاطات اجتماعية وسياسية، جعلت المشاهد يجد انعكاسا لواقعه داخل العمل، وهو ما أسهم في خلق حالة من التماهي بين الجمهور والشخصيات، وأتاح للمسلسل الانتقال من مجرد مادة للترفيه إلى ظاهرة شعبية حاضرة في النقاش اليومي.
ومع اتساع قاعدة المشاهدة، انتقلت تجربة «شط الحرية» من الشاشة إلى مجال أوسع للاستثمار الإعلامي، إذ أصبح المسلسل محتوى جاذبا للقنوات التي قامت ببثه، وحقق حضورا خلال فترات المشاهدة المرتفعة في رمضان، بما جعله عاملا مهما في جذب الجمهور والإعلانات.
كما أسهم الانتشار الرقمي في تعزيز القيمة الإعلامية للعمل، بعدما وصلت مشاهده وحلقاته إلى منصات التواصل الاجتماعي ويوتيوب، وحققت أعدادا كبيرة من المشاهدات، في حين أعادت منصات المستخدمين إنتاج أجزاء من محتواه في صورة مقاطع قصيرة وكوميكس وإيفيهات متداولة، الأمر الذي وفر للعمل انتشارا مستمرا وتسويقا جماهيريا متجددا.
وفي المقابل، يفرض هذا النجاح تحديات على صناع العمل، يأتي في مقدمتها تجنب التكرار والمحافظة على قدرة الشخصيات والأفكار على جذب الجمهور، خاصة أن استمرار النجاح لا يعتمد على استعادة الصيغة ذاتها، وإنما على تطويرها بما يحافظ على روح العمل ويمنحه قدرة على التجدد.
ومن هنا، يرى أطبيقه أن المرحلة المقبلة تتطلب انتقال التجربة من النجاح الجماهيري إلى إدارة أكثر مؤسسية، من خلال بناء منظومة إنتاج وتوزيع احترافية، وتنظيم حقوق الملكية الفكرية، وتوسيع مجالات استثمار الشخصيات والمحتوى، إلى جانب الوصول إلى منصات عربية مدفوعة وأسواق إعلامية أوسع.
وتخلص هذه القراءة إلى أن «شط الحرية» قدم نموذجا يؤكد أن الاستثمار في الدراما الليبية لا يرتبط بالضرورة بضخامة الميزانية، بقدر ما يرتبط بفكرة أصيلة، وفهم دقيق للجمهور، ووعي بثقافته، وقدرة على تحويل المحتوى المحلي إلى قيمة إعلامية واقتصادية.
وبذلك، فإن المسلسل لم ينجح فقط في صناعة الضحكة، وإنما نجح أيضا في إثبات أن «المحلية» التي قد تبدو في ظاهرها محدودة الانتشار، يمكن، حين تقدم بصدق وذكاء، أن تصبح إحدى أهم أدوات صناعة الجمهور وبناء العلامة الإعلامية واستدامة الاستثمار في المحتوى المحلي. (الأنباء الليبية) س خ.