بنغازي – وال – 10 سبتمبر 2026 (الأنباء الليبية) – في مناطق سكنية مستحدثة وغير مدرجة ضمن المخططات العمرانية المعتمدة، حيث لا توجد شبكات عامة للصرف الصحي، تتخذ أزمة الخدمات شكلا أكثر خطورة، مع ظهور ممارسات تتمثل في حفر آبار تصل إلى المياه الجوفية وربطها بشبكات الصرف الصحي، بهدف التخلص من مياه الآبار السوداء ومنع امتلائها وتجنب عمليات شفطها ونقلها.
وتتمثل خطورة هذه الممارسة في أن مياه الصرف الصحي لا يجري التخلص منها في منشآت مخصصة أو تخضع للمعالجة، وإنما يتم دفعها إلى باطن الأرض عبر آبار عميقة تصل إلى طبقات المياه الجوفية، بما يحول الخزان الجوفي من مصدر للمياه إلى مستودع لمياه الصرف.
وتحدث سكان في عدد من المناطق المستحدثة لوكالة الأنباء الليبية عن وجود آبار جرى حفرها لهذا الغرض، مشيرين إلى أن بعض عمليات الحفر والتوصيل ينفذها أشخاص يعملون في مجال حفر الآبار والصرف الصحي، وبينهم عمالة أجنبية، في انتظار التحقق الفني من هذه الإفادات وتحديد المسؤوليات.
ويقول السكان إن الهدف من هذه الطريقة هو التخلص من مياه الصرف داخل باطن الأرض بصورة مستمرة، بما يلغي الحاجة إلى تفريغ الآبار السوداء كلما امتلأت، غير أن هذه الممارسة، تعني عمليا ضخ مياه الصرف الصحي في طبقات الأرض التي تختزن المياه الجوفية.
ليبيا.. بلد يعاني ندرة مائية شديدة
وتكتسب هذه الممارسات خطورتها من طبيعة الموارد المائية في ليبيا، التي تعد من أكثر بلدان العالم شحا في المياه.
وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن متوسط الموارد المائية المتجددة في ليبيا يبلغ نحو 100 متر مكعب للفرد سنويا، وهو مستوى يقل كثيرا عن عتبة الندرة المائية المطلقة البالغة 500 متر مكعب للفرد سنويا.
كما تشير البيانات إلى أن أكثر من 95 بالمئة من إمدادات المياه في ليبيا تعتمد على المياه الجوفية، بما في ذلك المياه الأحفورية المخزنة في خزانات جوفية غير متجددة أو محدودة التغذية.
وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن ليبيا تعتمد بصورة شبه كاملة على موارد المياه الجوفية الأحفورية، في ظل محدودية الموارد المائية السطحية وانخفاض معدلات الأمطار، فيما لا تتجاوز الموارد المائية المتجددة نحو 111.5 مترا مكعبا للفرد سنويا وفق البيانات التي أوردتها المنظمة.
وهذا يعني أن تلويث المياه الجوفية في ليبيا لا يمثل مشكلة بيئية محلية فحسب، بل يمس موردا مائيا استراتيجيا تعتمد عليه الدولة والسكان في بلد لا يملك أنهارا دائمة أو مصادر سطحية كبيرة للمياه العذبة.
بنغازي.. دراسات سابقة سجلت تلوثا في المياه الجوفية
وتكشف الدراسات العلمية المنشورة عن وجود مشكلات سابقة في جودة المياه الجوفية بمدينة بنغازي ومناطقها المحيطة.
ففي دراسة نشرت عام 2025 حول تلوث النترات في المياه الجوفية ببنغازي، جرى تحليل مياه آبار في ثماني محطات، وأظهرت النتائج تجاوز تركيزات النترات للحد المرغوب فيه في آبار بمنطقتي الهواري وبودزيرة، كما وجدت الدراسة ارتباطات موجبة بين النترات وعدد من مؤشرات جودة المياه، بينها الحديد والنيكل والتوصيل الكهربائي والأملاح الذائبة والملوحة.
وفي دراسة أخرى لتقييم جودة مياه آبار بنغازي، خلص الباحثون إلى وجود تفاوت كبير في جودة المياه بين المناطق، وصنفت مياه آبار بودزيرة ومسيكلو باعتبارها شديدة التلوث وغير صالحة للشرب، فيما صنفت مياه آبار أخرى، من بينها آبار الهواري والقوارشة، بدرجات تلوث أقل لكنها تحتاج إلى معالجة قبل الاستهلاك.
وتشير هذه النتائج إلى أن مشكلة جودة المياه الجوفية في بنغازي ليست جديدة، وأن بعض خزانات وآبار المياه تعرضت بالفعل لضغوط ومصادر مختلفة من التلوث.
قنفودة.. تلوث موثق في آبار المياه الجوفية
وفي منطقة قنفودة غرب بنغازي، تناولت دراسة منشورة عام 2023 تأثير موقع مكب النفايات على جودة المياه الجوفية، وشملت ثمانية آبار منزلية.
وأظهرت نتائج الدراسة ارتفاع تركيزات عدد من المؤشرات، بينها المواد الصلبة الذائبة والصوديوم والكادميوم والرصاص، إلى جانب مؤشرات بكتيرية، وخلص الباحثون إلى وجود تلوث في المياه الجوفية بالمنطقة، ودعوا إلى مراقبة جودة المياه الجوفية بصورة دورية.
كما تناولت دراسة أخرى تلوث المياه الجوفية في قنفودة، وقدرت أن نحو 365 ألف طن من النفايات الصلبة كانت تنتجها مدينة بنغازي سنويا في الفترة التي تناولتها الدراسة، مع وجود تأثيرات للراشح المتسرب من موقع التخلص من النفايات على المياه الجوفية، وسجلت الدراسة مؤشرات تلوث شملت الطلب الحيوي والكيميائي على الأكسجين والنترات والكالسيوم والعسر الكلي.
وتكشف هذه الدراسات أن الخزان الجوفي في بنغازي يتعرض أصلا لضغوط بيئية متعددة، ما يجعل أي مصدر إضافي للصرف الصحي داخل باطن الأرض أكثر خطورة.
شرق بنغازي.. 17 عينة تكشف واقع المياه الجوفية
وفي دراسة حديثة نشرت عام 2026 حول الخصائص الهيدروكيميائية للمياه الجوفية شرق مدينة بنغازي، قام الباحثون بتحليل 17 عينة من المياه الجوفية لتقييم خصائصها الكيميائية وتحديد مدى ملاءمتها للاستخدامات المختلفة.
وأوضحت الدراسة أن سهل بنغازي الساحلي يعتمد بدرجة كبيرة على المياه الجوفية، التي تتغذى من كميات محدودة ومتغيرة من مياه الأمطار، في منطقة تتسم أصلا بالمناخ الجاف وارتفاع معدلات التبخر.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة في المناطق التي تشهد توسعا عمرانيا دون شبكات صرف صحي، لأن التخلص من مياه الصرف عبر آبار عميقة يمكن أن يضيف مصدرا مباشرا للملوثات إلى منظومة مياه جوفية تعتمد عليها المنطقة.
من مشكلة صرف صحي إلى تهديد للأمن المائي
وتتمثل المفارقة في أن الآبار التي يتم حفرها للتخلص من الصرف الصحي قد تكون في الوقت نفسه متصلة بالطبقات التي تحتوي على المياه الجوفية.
فبدلا من أن تكون هناك عملية منفصلة لجمع مياه الصرف ونقلها إلى مواقع معالجة أو تصريف آمنة، يتم في هذه الممارسة، بحسب الإفادات الواردة، إنشاء قناة مباشرة بين شبكة الصرف وطبقات الأرض العميقة.
والهدف بالنسبة لمن يقوم بذلك هو التخلص من مياه الصرف بصورة دائمة وتجنب امتلاء البئر الأسود وتكاليف شفطه ونقله، لكن النتيجة هي نقل التلوث من مكان ظاهر يمكن التعامل معه إلى طبقة جوفية يصعب الوصول إليها أو تنظيفها.
ولا يمكن تحديد حجم الضرر الفعلي أو مدى وصول مياه الصرف إلى الخزانات الجوفية إلا من خلال مسح فني يشمل تحديد أعماق الآبار، ومسارات الأنابيب، وطبيعة الطبقات الجيولوجية، واتجاه حركة المياه الجوفية، وإجراء تحاليل كيميائية وميكروبيولوجية للعينات.
العمالة الأجنبية.. إفادات تحتاج إلى تحقق
ويتحدث عدد من سكان المناطق المستحدثة عن قيام بعض العمالة الأجنبية المشاركة في أعمال حفر الآبار والصرف بتنفيذ عمليات توصيل بين شبكات الصرف وآبار عميقة.
غير أن هذه الإفادات، رغم أهميتها في توجيه أعمال التفتيش والتحقيق، لا تكفي وحدها لتحديد المسؤولية أو تعميم الاتهام على العمالة الأجنبية، إذ إن تحديد مرتكبي هذه الممارسات يتطلب أدلة فنية ومحاضر ضبط وتحقيقات تحدد من قام بالحفر ومن نفذ التوصيلات ومن يملك العقار أو يدير المنشأة.
وفي جميع الأحوال، فإن جوهر المشكلة لا يرتبط بجنسية من يرتكب المخالفة، وإنما بالفعل ذاته: استخدام بئر يصل إلى المياه الجوفية كوسيلة للتخلص من مياه الصرف الصحي.
الحاجة إلى حصر الآبار وفحصها
وتبرز الحاجة، في ظل هذه المعطيات، إلى إجراء مسح شامل للمناطق السكنية المستحدثة، وحصر جميع الآبار الموجودة فيها وتحديد أغراض استخدامها وأعماقها، مع مطابقة مواقعها مع مواقع الآبار السوداء.
كما يتطلب الأمر إجراء فحوص دورية للمياه الجوفية، خاصة في المناطق التي تشهد كثافة في استخدام الآبار السوداء، وأخذ عينات من الآبار القريبة من مصادر الصرف للكشف عن مؤشرات مثل النترات والبكتيريا القولونية والأملاح والمواد العضوية وغيرها من المؤشرات التي يمكن أن تساعد في تحديد مصادر التلوث.
وتزداد أهمية هذه الإجراءات لأن اكتشاف تلوث المياه الجوفية بعد انتقاله داخل الخزان أكثر صعوبة وكلفة من منع وصول الملوثات إليه منذ البداية.
الأمن المائي.. أحد أهم مرتكزات الأمن القومي
وتضع هذه المعطيات قضية الآبار والصرف الصحي في سياق أوسع من مجرد مخالفة خدمية أو بيئية.
ففي بلد تعتمد فيه أكثر من 95 بالمئة من إمدادات المياه على المياه الجوفية، وفي ظل موارد مائية متجددة لا تتجاوز نحو 100 متر مكعب للفرد سنويا، فإن حماية الخزانات الجوفية تمثل مسألة مرتبطة مباشرة بالأمن المائي للدولة.
ولهذا فإن أي ممارسة تؤدي إلى ضخ مياه الصرف الصحي في الخزانات الجوفية، إذا ثبت وقوعها، تمثل تهديدا لمورد مائي استراتيجي لا يمكن تعويضه بسهولة.
وبين غياب شبكات الصرف الصحي في مناطق سكنية مستحدثة، والاعتماد على الآبار السوداء، ووجود إفادات عن تحويل بعض آبار المياه الجوفية إلى وسيلة للتخلص من الصرف، تقف بنغازي أمام مشكلة تتطلب معالجة من جذورها: تنظيم التوسع العمراني، توفير شبكات الصرف الصحي، مراقبة حفر الآبار، وفحص المياه الجوفية بصورة منتظمة.
فالمياه الجوفية في ليبيا ليست مجرد مورد محلي يمكن استبداله عند تلوثه، بل تمثل أحد أهم مصادر المياه في دولة تقع في واحدة من أكثر مناطق العالم ندرة في المياه، الأمر الذي يجعل حمايتها جزءا أساسيا من حماية الأمن المائي والأمن القومي الليبي. (الأنباء الليبية)