بنغازي 30 أغسطس 2026 (الأنباء الليبية) – لا يبدو الارتفاع المتواصل لسعر الدولار في السوق الموازية في ليبيا مرتبطاً بنقص العملة الأجنبية وحده، إذ يتزامن صعوده إلى مستويات تتجاوز تسعة دنانير للدولار مع استمرار مصرف ليبيا المركزي في توفير النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية بسعر يقارب 6.33 دينار، ما يعكس، وفقاً لخبراء اقتصاديين وماليين تحدثوا إلى وكالة الأنباء الليبية، وجود فجوة تتجاوز مسألة المعروض لتشمل آليات الوصول إلى العملة الأجنبية، وحجم الطلب عليها، والسيولة المحلية، وتوقعات المتعاملين بشأن مستقبل الدينار.
وقال رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي، الدكتور حلمي القماطي، إن “المشكلة لا تتمثل بالضرورة في ندرة النقد الأجنبي، وإنما في الفجوة بين توفر العملة الأجنبية لدى مصرف ليبيا المركزي وقدرة السوق الفعلية على الحصول عليها بالسعر الرسمي وفي الوقت المناسب وللغرض المطلوب”.
وأوضح القماطي أن توفر الدولار لدى المصرف المركزي لا يعني بالضرورة قدرة كل مواطن أو تاجر على الحصول عليه فوراً وبالكميات التي يحتاجها، مشيراً إلى أن “هناك فرقاً بين توفر العملة الأجنبية وإمكانية الوصول إليها فعلياً من جانب أصحاب الطلب”.
وأضاف أن الدولار المتاح فوراً في السوق الموازية قد يجذب المتعاملين إليه رغم ارتفاع سعره، إذا كانت إجراءات الحصول على العملة عبر القنوات الرسمية تستغرق وقتاً أو لا تلبي حجم الطلب.
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي والمتخصص في الإنفاق العام، أمراجع غيث، إن إجراءات مصرف ليبيا المركزي لزيادة ضخ العملة الأجنبية “لن تكون كافية وحدها للقضاء على السوق الموازية”، طالما بقي الطلب على الدولار قائماً من قبل المضاربين وبعض الأنشطة الاقتصادية التي تتم خارج القنوات الرسمية.
وأوضح غيث أن معالجة المشكلة تتطلب تعاوناً بين مصرف ليبيا المركزي ووزارة الاقتصاد ووزارة المالية والأجهزة الرقابية، بهدف معرفة الجهات التي تستخدم العملة الأجنبية وأغراض استخدامها.
وأشار إلى ضرورة البحث في أسباب عزوف بعض التجار، وخاصة العاملين في تجارة المواد الغذائية والسلع، عن الحصول على الدولار عبر الاعتمادات والقنوات المصرفية رغم توفر العملة الأجنبية، موضحاً أن صعوبة الإجراءات وكثرة المستندات المطلوبة قد تدفع بعض التجار إلى اللجوء للسوق الموازية، حيث يمكن الحصول على العملة بصورة أسرع.
وأكد أن “مراجعة الإجراءات المصرفية ومعرفة أسباب تفضيل بعض التجار للسوق الموازية” تمثل خطوة أساسية لمعالجة المشكلة والحد من الطلب على الدولار خارج القنوات الرسمية.
وفي السياق ذاته، قال مدير مراقبة الخدمات المالية بالشويرف، إبراهيم عثمان النكاع، إن الارتفاع المسجل في سعر الدولار “لا يمكن اعتباره مجرد مضاربة مؤقتة وعابرة”، مشيراً إلى أن المضاربة تعمل على تضخيم وتسريع الارتفاعات، لكنها ليست العامل الوحيد وراءها.
وأوضح النكاع أن “من أبرز أسباب ارتفاع الدولار تضخم الإنفاق العام والكتلة النقدية”، إلى جانب استمرار التوسع في الإنفاق الحكومي وضخ كميات كبيرة من الدينار في التداول دون زيادة موازية في الإيرادات الحقيقية أو الإنتاج المحلي.
وأشار إلى أن القيود على بيع النقد الأجنبي، بما في ذلك الرسوم المفروضة على مبيعات العملة الأجنبية أو القيود على بعض الاستخدامات، قد تدفع التجار إلى السوق الموازية لتغطية احتياجاتهم من الدولار.
وأضاف أن اعتماد الاقتصاد الليبي بصورة كبيرة على النفط، وهشاشة الإيرادات المحلية، يجعلان تدفقات النقد الأجنبي عرضة للتقلب، بينما يدفع ضعف الثقة في المنظومة المصرفية وشح السيولة النقدية بعض المواطنين والتجار إلى الاحتفاظ بالدولار باعتباره وسيلة للتحوط وحماية المدخرات.
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة المالية السابق، إدريس الشريف، أن المعطيات الحالية ترجح أن يكون ارتفاع الدولار مؤشراً على اتجاه أعمق في سوق الصرف، وليس مجرد موجة مضاربة عابرة.
وقال الشريف: “الأقرب في ضوء حركة السوق الحالية أنها ليست مجرد مضاربة مؤقتة، فالمضاربة قد ترفع السعر، لكنها لا تفسر وحدها استمراره عند هذه المستويات”.
وأوضح أن استمرار ارتفاع الدولار يعكس أيضاً توقعات متزايدة لدى المتعاملين باستمرار تراجع قيمة الدينار نتيجة الاختلالات المالية والنقدية، مشيراً إلى أن المضاربة “نتيجة للمشكلة بقدر ما هي سبب لتفاقمها”.
وتشير آراء المختصين إلى أن اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية يعكس مشكلة تتجاوز مسألة توفر الدولار، لتشمل آليات الوصول إلى النقد الأجنبي، وحجم الطلب عليه، ومستويات الإنفاق والسيولة المحلية، إلى جانب المضاربة وثقة المتعاملين في العملة الوطنية. (الأنباء الليبية) ك و
تقرير: أحلام الجبالي