بنغازي 5 سبتمبر 2026 (الأنباء الليبية)– لم تعد ضغوط العمل مرتبطة فقط بعدد ساعات الدوام أو حجم المهام، بل باتت تتصل أيضاً بحجم التوقعات التي يضعها الموظف لنفسه، وقدرته على الفصل بين حياته المهنية والشخصية.
وقد تتحول الرغبة في تقديم أفضل أداء والخوف من الخطأ إلى “فخ المثالية”، عندما تصبح المعايير المهنية المرتفعة مصدر ضغط واستنزاف مستمر، يبدأ أحياناً بساعات عمل إضافية وينتهي بالتعب وفقدان التركيز وتراجع الحماس وصعوبة الانفصال عن العمل بعد انتهاء الدوام.
وقال الأخصائي الاجتماعي والنفسي خالد عطية إن الاستقرار النفسي عامل مهم في قدرة الموظف على أداء مهامه، داعياً المؤسسات إلى إيلاء الجانب النفسي للعاملين مزيداً من الاهتمام.
وأوضح عطية، لوكالة الأنباء الليبية، أن حرص الموظف على الإتقان قد يتحول إلى ضغط، خاصة عندما تتجاوز المهام قدراته أو لا يقابل جهده بالتقدير، مشيراً إلى أن الضغط المستمر قد ينعكس على جودة العمل والابتكار والدافعية.
وأضاف أن المشكلة لا تكمن في حب العمل أو إتقانه، وإنما عندما يصبح العمل المعيار الوحيد الذي يقيس به الإنسان قيمته ونجاحه، مؤكداً أهمية مراعاة الفروق في قدرات الموظفين عند توزيع المهام وتقييم الأداء.
ومع انتشار الهواتف الذكية وتطبيقات المراسلة، أصبح انتهاء ساعات الدوام لا يعني بالضرورة انتهاء العمل، إذ تبقي الرسائل والمكالمات والتكليفات العاجلة الموظف على اتصال مستمر بمكان عمله.
وقال أحد الموظفين، فضّل عدم ذكر اسمه، إن المشكلة “ليست دائماً في كثرة العمل، وإنما في الشعور بأن العمل لا ينتهي”، موضحاً أن متابعة الرسائل والتكليفات بعد الدوام تحرمه من الانفصال الذهني عن الوظيفة، وتنعكس أحياناً على حياته الأسرية وراحته.
من جانبه، قال مدرب التنمية البشرية خالد المسلاتي إن هناك فرقاً بين الإرهاق الطبيعي الناتج عن ضغط العمل والاحتراق الوظيفي، موضحاً أن الأخير يرتبط بإرهاق جسدي ونفسي وذهني مستمر، خاصة عندما يبذل الموظف جهداً كبيراً دون نتائج ملموسة أو تقدير مناسب.
وانتقد المسلاتي التركيز المفرط على الحضور والانصراف ونظام البصمة باعتبار مدة بقاء الموظف داخل المؤسسة معياراً للإنتاجية، مؤكداً أن تقييم الأداء يجب أن يستند إلى حجم الإنجاز وجودته.
وأوضح أن اختلاف قدرات الموظفين وإنتاجيتهم يتطلب أن تكون نظم التقييم والمكافآت أكثر ارتباطاً بالنتائج، محذراً من أن مساواة الموظف المجتهد بغيره رغم اختلاف مستوى الإنتاجية قد تدفعه تدريجياً إلى خفض مستوى عطائه.
وأكد المسلاتي، الوكالة الأنباء الليبية، أن مسؤولية الحد من الاحتراق الوظيفي لا تقع على الموظف وحده، بل تشمل الإدارة أيضاً، من خلال عدالة توزيع المهام، ووضوح المسؤوليات، وتقدير الجهود، واعتماد معايير تقيس جودة الأداء وتحقيق النتائج بدلاً من التركيز على عدد ساعات البقاء في مقر العمل.
وتنعكس آثار الاحتراق الوظيفي على الموظف والمؤسسة معاً، من خلال تراجع التركيز والإنتاجية، وزيادة الأخطاء، وضعف المبادرة والابتكار، فضلاً عن ارتفاع التوتر والغياب.
ويرى عطية والمسلاتي أن الحد من هذه الظاهرة يتطلب وضع حدود واضحة للعمل، وترتيب الأولويات، وتوزيع المسؤوليات بصورة عادلة، إلى جانب توفير بيئة عمل تقدر الجهد وتقيس الأداء وفق النتائج.
وفي ظل ذلك، يبقى التحدي في تحقيق التوازن بين الطموح المهني والحفاظ على القدرة على الاستمرار، إذ لا يعني العمل الجيد بالضرورة الوصول إلى الكمال، كما أن الراحة ليست تقصيراً، وإنما جزء من الحفاظ على الكفاءة واستدامة العطاء. (الأنباء الليبية)
حنان الحوتي