بنغازي 03 سبتمبر 2026 (الأنباء الليبية) – بين نقص الدعم المالي، وغياب المقرات والمسارح المجهزة، وقلة المهرجانات والدورات التدريبية، وتراجع إقبال الجمهور، يقف المسرح في مدينة بنغازي أمام تحديات حقيقية أثرت بشكل مباشر في قدرته على الإنتاج والاستمرار، رغم ما يملكه المشهد المسرحي من فنانين ومواهب وتجارب تحاول مواصلة الحضور بإمكانات محدودة وجهود ذاتية.
ويرى عدد من الفنانين والمسرحيين والمهتمين بالشأن الثقافي، في استطلاع أجرته وكالة الأنباء الليبية، أن حالة الركود التي تشهدها الحركة المسرحية في المدينة ليست مرتبطة بعامل واحد، وإنما هي نتيجة تراكم ظروف اقتصادية واجتماعية وفنية وبنيوية انعكست على الفنان والمؤسسة والجمهور في آن واحد.
الدعم.. شرط أساسي لاستمرار الإنتاج
وفي هذا السياق، أكد المدير العام للمسرح الشعبي بنغازي أن حالة الركود تعود بشكل أساسي إلى عدم توافر الدعم اللازم، موضحاً أن المسرح، شأنه شأن الفرق الأهلية، لا يستطيع الاستمرار في العمل والإنتاج من دون إمكانات مادية، بغض النظر عن توافر الممثلين والمخرجين والكوادر القادرة على العمل.
وأشار إلى أن الجانب النفسي للفنان يمثل عاملاً مؤثراً أيضاً، في ظل الظروف العامة التي تنعكس تلقائياً على قدرته النفسية والذهنية لمواصلة العمل والعطاء الإبداعي.
الفنان يواجه أزمات الحياة اليومية
من جانبه، أرجع مدير مكتب الثقافة بنغازي، أسامة بركة، حالة الركود في المسرح إلى كونها جزءاً من حالة عامة تشهدها البلاد في مختلف المجالات، مؤكداً أن أي نشاط ثقافي أو فني لن يتمكن من الاستمرار ما لم تتوفر له الإمكانات المالية والتمويل المناسب.
وأوضح بركة أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية والفوضى التي مرت بها البلاد انعكست على الفنانين والمسرحيين والمخرجين والموسيقيين، مشيراً إلى أن الأزمات اليومية -ومن بينها أزمة الوقود- تؤثر في الفنان باعتباره مواطناً عادياً يواجه التزاماته ومشكلاته الشخصية والاجتماعية، وليس فناناً محترفاً يتفرغ كلياً ويعتمد على الفن كمصدر دخل رئيسي.
وأكد مدير مكتب الثقافة أنه إذا لم يحظَ الفنان بالاهتمام والدعم الرعائي اللازم، لن يتمكن من تقديم أعماله، لافتاً إلى أن العاملين في المجال الفني يعانون ظروفاً معيشية صعبة، وأن استمرار هذه الأوضاع دون معالجة قد يؤدي إلى بقاء حالة الركود لسنوات طويلة قادمة.
مسارح مغلقة وبروفات في أماكن غير مخصصة
وفي ذات السياق، يرى الممثل المسرحي والتلفزيوني وعضو المسرح الوطني بنغازي، حاتم قرقوم، أن المسرح يمر بعدة ظروف وتحديات معقدة، وأن عودة الجمهور إلى الخشبة تتطلب توفير الاحتياجات الأساسية التي تساعد على انتظام النشاط المسرحي.
وأشار قرقوم إلى أهمية توفير المناخ والظروف الملائمة للفنان، بما يمكنه من العمل في أجواء يسودها الأمان والاستقرار النفسي والمالي، موضحاً أن الظروف المعيشية التي يمر بها الفنان تنعكس بصورة مباشرة على مستوى أدائه وإبداعه على الخشبة.
ولفت إلى أن عدداً من المسارح تعرض للهدم خلال الحرب على الإرهاب، فيما يخضع بعضها الآخر لمراحل صيانة طويلة، باستثناء المسرح الشعبي بنغازي، الذي يحتاج هو الآخر إلى اهتمام وتوفير بنية تحتية مناسبة وتجهيز مرافقه وتقنياته بما يتلاءم مع احتياجات الفنانين والجمهور.
وأضاف قرقوم أن الحركة المسرحية تحتاج إلى دعم أكبر في مجالي الإنتاج والعروض، إلى جانب ضرورة معالجة النقص الحاد في النصوص المسرحية وقلة الأماكن المناسبة لإقامة البروفات، موضحاً أن بعض الفرق تضطر إلى إجراء تدريباتها وتجهيز أعمالها في أماكن غير مخصصة للمسرح، مثل المزارع والمربوعات وبعض المواقع الخاصة، وهو ما يؤثر سلباً في طبيعة العرض النهائي وتفاعل الجمهور معه.
جوائز خارجية وتجارب قائمة على الجهود الذاتية
وفي جانب آخر، كشف قرقوم أن فريقه المسرحي -الذي يضم كلاً من عوض الفيتوري وحمزة القماطي وحسين العبيدي في إدارة الإخراج- تمكن من الحصول على جوائز في مهرجان جرش بالمملكة الأردنية بإمكانات بسيطة، فيما تحمل أعضاء الفريق تكاليف سفرهم وإقامتهم على حسابهم الشخصي.
وأشار إلى أن الفريق تلقى لاحقاً دعماً من بعض الضباط ومن القيادة العامة، مؤكداً في الوقت ذاته أن دعم الفن والمسرح لا ينبغي أن يقتصر على جانب واحد أو مبادرات فردية، بل يتطلب تكاتف الجهات المعنية كافة والوزارة المختصة لتوفير الإمكانات اللازمة بشكل مستدام.
كما استعرض قرقوم مشاركاته وتجربته الفنية التي اعتمد فيها على جهوده الذاتية في عدد من المهرجانات والأعمال المسرحية، معتبراً إياها نموذجاً عصامياً يمكن أن يستفيد منه شباب بنغازي. وبيّن أن غياب التنظيم والتنسيق بين الفنانين والمخرجين والكتاب يمثل إحدى أبرز المشكلات التنظيمية التي تواجه العمل المسرحي، داعياً إلى تعزيز التعاون والعمل الجماعي بين مختلف العاملين في المجال للارتقاء بالأعمال الوطنية.
الجمهور أمام منافسة المنصات الرقمية وتحدي الذكاء الاصطناعي
من جهته، أرجع الفنان أشرف العبيدي تراجع الحركة المسرحية مقارنة بما كانت عليه خلال القرن الماضي إلى عدة عوامل حديثة، من بينها هيمنة منصات التواصل الاجتماعي والتطور التكنولوجي الذي جذب الجمهور بعيداً عن خشبة المسرح، إضافة إلى غياب الدعم المادي الكافي للفاعلين في المجال.
وأشار العبيدي إلى دخول الذكاء الاصطناعي على خط الإبداع، معتبراً أن استخدامه في إنتاج النصوص بدأ يحل -بحسب رأيه- محل بعض الكتاب والمبدعين، الأمر الذي انعكس على جودة النصوص المسرحية وأصالتها والروح الإنسانية فيها. ورغم كل هذه التحديات، شدد العبيدي على أهمية المسرح باعتباره منبراً ثقافياً وأخلاقياً لا يمكن الاستغناء عنه، ولدوره التنويري في تقديم الرسائل التوعوية التي تسهم في بناء وتوجيه المجتمع.
التدريب والمهرجانات.. فجوة تعرقل التطور
وفي سياق متصل، وصفت الفنانة والمنتجة حنان شويهدي الظروف المحيطة بالحركة المسرحية في مدينة بنغازي بـ “السيئة جداً”، مشيرة إلى الغياب التام للمهرجانات المسرحية والدورات التدريبية والورش التي من شأنها صقل المواهب وتطوير المجال.
وأوضحت شويهدي أن المعهد الوحيد المتخصص في تدريس المسرح والموسيقى والفنون بالمدينة ما يزال مغلقاً، رغم تكرار الوعود الرسمية بافتتاحه وتأهيله، متسائلة باستنكار عن أسباب استمرار هذا الوضع، وما إذا كان يرجع إلى إهمال قطاع الفنون أو تهميشه المتعمد.
وأكدت شويهدي أن التعليم والفنون والترفيه والرياضة تمثل الأركان الأساسية في بناء المجتمعات وتوعيتها، وأن المسرح يملك قدرة فريدة على تمرير رسائل إيجابية تساعد في تهذيب وإعادة بناء المجتمع. ودعت الدولة بمختلف مسؤوليها إلى الاستماع الجاد لصوت الفنان ودعمه، مؤكدة أن المجتمع الليبي يمر بمرحلة حاسمة بعد أزمات وحروب وصراعات طويلة، وأن الفنون والمسرح يمثلان طوق نجاة لمساعدة المجتمع على استعادة توازنه النفسي والثقافي.
الفرق الأهلية تقاوم والوطنية تعاني الركود
وأضافت شويهدي أن قطاع المسرح يعاني من نقص حاد في التمويل والرعاية، في الوقت الذي تحاول فيه الفرق المسرحية الأهلية المقاومة ومواصلة نشاطها والإنتاج بإمكاناتها الذاتية الشحيحة، بينما تشهد الفرق الوطنية التابعة للدولة حالة من الركود التام.
وأشارت إلى تفاقم أزمة المقرات والمسارح في بنغازي، موجهة التنبيه إلى أن المدينة التي كانت تشكل مركزاً تاريخياً لحراك مسرحي وثقافي كبير، لا يوجد بها حالياً سوى قاعة مسرح واحدة قابلة للعمل وهي المسرح الشعبي، بينما بقية المسارح مغلقة وتحتاج إلى أعمال صيانة جذرية وإعادة تجهيز.
استعادة الخشبة تبدأ من توفير البيئة الملائمة
وتكشف كافة الآراء الواردة في الاستطلاع أن أزمة المسرح في بنغازي تتجاوز غياب التمويل المالي المباشر، لتشمل منظومة أوسع تتعلق بالبنية التحتية، وبرامج التدريب، وتنظيم المهرجانات، وتحسين الظروف المعيشية للفنان، وارتقاء جودة النصوص، وتفعيل التنظيم الإداري بين الفاعلين في القطاع، فضلاً عن إعادة بناء العلاقة بين المسرح والجمهور في ظل التطور الرقمي.
ويرى المشاركون أن إعادة الحياة لخشبة المسرح تتطلب توفير بيئة متكاملة قادرة على احتضان الفنان، من خلال تقديم دعم حكومي للإنتاج، وتأهيل المقرات والمسارح المغلقة، وإعادة فتح المعاهد الفنية، وتشجيع الفرق الأهلية والوطنية، وتعزيز التعاون بين الفنانين والكتاب والمخرجين، بما يتيح للمسرح استعادة حضوره التاريخي ورسالته السامية بمدينة بنغازي.(الأنباء الليبية – بنغازي) أ د
استطلاع: سومة حرب