طرابلس 09 يونيو 2026 (الأنباء الليبية) – شهد بيت الفنون والحرف التراثية الذي يتخذ من “حوش الصابون” التاريخي بالمدينة القديمة في طرابلس، مساء الثلاثاء، حفل تخريج الدفعة الأولى من متدربي الصناعات الجلدية، في خطوةٍ تهدف إلى دعم الحرف التقليدية وتأهيل الشباب بالمهارات المهنية اللازمة، بما يُسهم في الحفاظ على الموروث الثقافي الليبي وتعزيز فُرص العمل في هذا القطاع، بحضور عدد من المهتمين بالشأن الثقافي والحرفي والإعلاميين.
وافتتح الحفل بكلمات ترحيبية؛ أكدت على أهمية المحافظة على الصناعات التقليدية وتطويرها باعتبارها جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية والتراثية الليبية، إلى جانب دورها في خلق فرص العمل وتمكين الشباب من اكتساب مهارات مهنية تسهم في اندماجهم بسوق العمل.
وتلقى المتدربون، بحسبِ المنظمين، معارف ومهارات متخصصة في مجال الصناعات الجلدية، مكّنتهم من إنتاج نماذج ومشغولات عكست مستوى التقدم الذي حققوه خلال البرنامج.
وأكد المصمم والمدرب في الصناعات الجلدية التقليدية، علا العتري، في تصريح لمراسلة وكالة الانباء الليبية (وال)ـ، أن ورشة “حوش الصابون” التي تُعد تجربة فريدة لدمج فئات متنوعة من المجتمع في حرفة صناعة الجلد.
وقال العتري: “شارك في الورشة متدربون من ذوي الهمم، وحالات التوحد، ومتلازمة داون، وهي فئات تحتاج إلى وقت وجهد كبيرين لدمجها وتدريبها، لكن نجحنا في تعليمهم مبادئ الرياضيات باللغة العربية والتربية الدينية، إضافة إلى كيفية التعامل مع الأدوات الحادة داخل الورشة”،
وأوضح العتري أن الورشة لم تقتصر على هذه الفئات، بل شملت المتقاعدين الذين جاؤوا لتعلم حرفة جديدة لإقامة مشاريع صغيرة، إلى جانب أسر متعففة تبحث عن مصدر رزق، مبينا أن هذه الورشة يمكن أن تكون ثمرة لبرامج الأسر
المنتجة حيث شارك فيها أشخاص يعانون من ضغوطات نفسية واكتئاب، فكانت متنفسا لهم وفرصة للخروج من المعاناة عبر تعلم حرفة جديدة.
وأشار العتري إلى أن عدد المشاركين بلغ 27 متدربا من مختلف الأعمار، اندمجوا معا كفريق عمل واحد مضيفا أن المخرجات لم تكن مجرد منتجات جلدية، بل كانت أيضا الوصول إلى بعث كادر بشري قادر على التفاعل مع المجتمع.
وعبرت المتدربة ولاء أحمد إبراهيم من جمهورية السودان عن شكرها وامتنانها للحكومة والشعب الليبي بعد مشاركتها في هذه الدورة التدريبية المتخصصة في الصناعات الجلدية.
وأوضحت إبراهيم، في تصريح لمراسلة وكالة الانباء الليبية، أن الدورة استمرت لمدة أربعة أشهر، تخللها جانب عملي مكثف في تقنيات تصنيع المنتجات الجلدية، مشيرةً إلى أنها شاركت بإنتاج مجموعة من السلع الجلدية تضمنت محافظ كبيرة وصغيرة إلى جانب أعمال يدوية أخرى. وقالت: “المدة كانت مثمرة جدا واكتسبت مهارات جديدة ستساعدني في تطوير مشروعي المهني”.
وأضافت ابراهيم أن عددٍ المشاركين في الورشة بلغ 21 متدربًا من السودان وليبيا، ما أسهم في تبادل خبرات وثقافات عمل بين المشاركين من البلدين. ووجهت ولاء تحيةً خاصة للقائمين على الدورة، معربة عن أملها في تنظيم دورات مماثلة مستقبلا لتشجيع الشباب على دخول قطاع الصناعة اليدوية والحرف.
وأكد القائمون على البرنامج أن المبادرة تهدف إلى دعم وتأهيل الكوادر الوطنية وتشجيع الشباب على الانخراط في الحرف والصناعات التقليدية، بما يسهم في الحفاظ على الموروث الثقافي الليبي وتعزيز التنمية الاقتصادية المحلية.
وأعرب نائب السفير الألماني دانيال شيمسكي، الذي رعت سفارته في طرابلس هذه الورشة، عن سعادته بالمشاركة في هذه المناسبة التي تحتفي بالحرفة والإبداع والتراث، مُشيدًا ببيت الفنون والحرف كنموذج ملهم للحفاظ على الحرف التقليدية وإحيائها من خلال التعليم والتدريب والابتكار.
وأكد شيمسكي أن نقل المعرفة والمهارات إلى الأجيال الجديدة يضمن استمرار ازدهار التقاليد الثقافية القيمة، معرباً عن تقديره للمدربين الذين ساهموا بخبراتهم وجهودهم في إنجاح البرنامج التدريبي، ودورهم في تمكين المتدربين من اكتساب مهارات عملية وخبرات نوعية في مجال الصناعات الجلدية.
وأضاف أن الحرف التقليدية لا تُمثل مُجرد ارتباط بالماضي، بل تُشكل رافدًا للتنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل وتحفيز الإبداع، مُؤكدًا أن مثل هذه المبادرات تبرز الدور الذي يمكن أن يؤديه التراث الثقافي في بناء مستقبل مستدام.
كما وجه نائب السفير الألماني الشكر إلى منظمي المشروع والشركاء في وزارة العمل والتأهيل وجميع الداعمين الذين أسهموا في تنفيذ البرنامج، متمنياً لبيت الفنون والحرف مزيدا من النجاح في أداء رسالته الثقافية والتنموية.
وتخلل الحفل معرض لأعمال ومشغولات المتدربين، عرضوا من خلاله نماذج من المنتجات الجلدية التي أنجزوها خلال فترة التدريب، وسط إشادة الحضور بالمستوى الفني والإبداعي.
إن اختيار “حوش الصابون” بالمدينة القديمة في طرابلس لاحتضان برامج التدريب على الصناعات التقليدية، يحمل دلالة رمزية عميقة؛ فهذا المعلم التاريخي، المعروف يعود تاريخ بنائه إلى العهد القرمانلي، قبل أن يرتبط لاحقاً بصناعة الصابون التقليدي التي أكسبته اسمه المتداول.
وبعد سنوات طويلة من الإهمال، خضع المبنى لأعمال ترميم وإحياء أعادت إليه دوره الثقافي والحرفي، ليفتتح عام 2021 تحت اسم “بيت طرابلس للفنون والحرف التراثية”، كمركز لدعم الحرفيين وصون الصناعات التقليدية ونقلها إلى الأجيال الجديدة. ومن بين جدرانه العتيقة التي شهدت ازدهار الحرف عبر قرون، يواصل اليوم متدربو الصناعات الجلدية كتابة فصل جديد من تاريخ المهن التراثية الليبية، في مشهد يجمع بين أصالة المكان وطموح المستقبل. (الأنباء الليبية – طرابلس) ر ت
متابعة وتصوير- أميرة التومي، ساسية أعميد