طرابلس 24 فبراير 2026 (الأنباء الليبية) – تعد المقبرة الرومانية الأثرية في منطقة قرقارش بطرابلس، والمعروفة باسم “مقبرة أتباع ميثرا”، واحدة من أندر المقابر على مستوى العالم، حيث تزخر بلوحات جدارية ملونة تمثل الطقوس الدينية وعبادة الإله الفارسي ميثرا.
وتمثل المقبرة نموذجا نادرا لتداخل الفن الديني بين الوثنية والمسيحية الصاعدة في القرن الرابع الميلادي، ما يجعلها محط اهتمام الباحثين وعلماء الآثار على مستوى ليبيا والعالم.
وتكشف هذه المقبرة عن مدى براعة الحضارة الرومانية في المنطقة، من خلال الرموز الفنية والجنائزية التي تغطي جدرانها وتعبّر عن المعتقدات والطقوس السرية لأتباع “ميثرا”، مع إظهار عناصر دينية متداخلة تحمل دلالات عميقة على الحياة والموت في تلك الحقبة.
وأشار الباحث وعضو هيئة التدريس بكلية الآداب جامعة بنغازي خالد الهدار، إلى أن أعمال الحفر والترميم بدأت في شتاء 1919-1920 على يد مصلحة الآثار في طرابلس، بعد أن تعرضت المقبرة للطمّر عدة مرات، ما أدى إلى ضياع موقعها الدقيق لسنوات طويلة، رغم زيارتها الأولى في عهد الإدارة التركية وتوثيقها لاحقا من قبل كليرمون غانو وويبر، ومتابعة عدد من الباحثين الأوروبيين.
وأضاف الهدار أن إعادة الكشف شملت إزالة الأتربة من حجرة الدفن وإجراء اختبارات دقيقة لأرضية المقبرة حتى الوصول للصخر الأصلي، ثم بناء سقف خشبي وجير على الطريقة الطرابلسية لتأمين المكان، مع إنشاء منور واسع في المنتصف لتسهيل الاطلاع على الرسوم الجدارية.
ولفت إلى أن الهدف من هذه الإجراءات هو حماية المدفن وضمان إمكانية زيارته من قبل الباحثين والسياح، مع الحفاظ على الرسوم الجدارية الملونة التي تحمل رموزًا دينية غنية وتفاصيل دقيقة للطقوس الجنائزية.
وتعد مقبرة “ميثرا” من المعالم الأثرية النادرة عالميا، حيث تشير إلى ديانة الإله الفارسي “ميثرا”، إحدى الديانات السرية التي انتشرت في العالم القديم، وتزخر المقبرة برسوم ملونة تمثل الحياة بعد الموت وطقوس العبادة، بما في ذلك مشاهد الإله يذبح الثور وطقوس العباد السرية.
ويعتقد علماء الآثار أن المقبرة تعكس التداخل بين الديانة الوثنية والمسيحية الصاعدة في القرن الرابع الميلادي، حيث كانت المسيحية منتشرة بين السكان بينما استمرت الوثنية في حيازة شعبية واسعة.
وتبرز اللوحات الجدارية مدى اهتمام أصحاب المقبرة بتوثيق معتقداتهم الدينية، بما في ذلك الزخارف الجنائزية، والعبارات التي تشير إلى العمر والدرجة الاجتماعية والدينية للمتوفين، مع استخدام الرموز الفنية مثل “الكيوبيدات” والجبانة المزينة بالملاط الأبيض والرسوم الملونة.
وتقبع المقبرة وسط هضبة صخرية من الحجر الجيري، ويؤدي مدخل منخفض في الجانب الجنوبي إلى ممر ضيق ينفتح على حجرة الدفن، حيث اكتشف الباحثون قبرين مزينين برسوم دقيقة تبرز المعتقدات الدينية والطقوس الجنائزية لأهالي المنطقة.
وزين التابوت بالملاط الأبيض، مع رسم إكليل يحمله “كيوبيدات” على جانبي التابوت، وفي الوسط عبارة جنائزية تشير إلى عمر ودرجة المتوفية ضمن سلم الديانة الميثرائية.
وأشاد الهدار بالجهود المبذولة من قبل العمالة الليبية التي ساهمت في صون هذا التراث الأثري وإعادة اكتشافه، مؤكدا أن المقبرة تمثل جزءا مهما من تاريخ ليبيا القديم وتنوعها الثقافي، وتتيح للباحثين والزوار فرصة الاطلاع على إرث حضاري غني يظهر براعة الفن الروماني وتفاصيل الحياة الدينية والاجتماعية في طرابلس خلال القرن الرابع الميلادي. (الأنباء الليبية) س خ.