طرابلس22 أكتوبر 2026 (الأنباء الليبية) – تبرز، في ظل التحديات التي تواجه المشهد الثقافي الليبي، الحاجة إلى إعادة الاعتبار للمسرح بوصفه أحد روافد الوعي المجتمعي، وأداةً لترسيخ التفكير النقدي وقيم التسامح، فضلًا عن دوره في التعبير عن تحولات المجتمع وتطلعاته. وهي رؤية تستدعي، في جوهرها، الانتقال بالمسرح من المبادرات الفردية المتفرقة إلى مشروع وطني تتكامل فيه التشريعات والمؤسسات التعليمية والثقافية، وتتوافر له مقومات الاستمرارية والاحتراف.
وفي هذا السياق، استطلعت وكالة الأنباء الليبية، في لقاء خاطف مساء أمس الأربعاء، مع الكاتب والمخرج المسرحي الليبي علي موسى الفلاح، عضو مجلس أمناء الهيئة العربية للمسرح، رؤيته لواقع المسرح الليبي وآفاق تطويره، مستندةً إلى تجربة إبداعية وثقافية تمتد قرابة نصف قرن من الحضور الفاعل في المشهد الثقافي الليبي.
مشروع وطني لتأسيس مسرح مستدام
وأكد الفلاح أن النهوض بالمسرح الليبي يتطلب تأسيس مشروع وطني متكامل، لا يقتصر على دعم العروض والمهرجانات، وإنما يشمل معالجة مختلف الجوانب التشريعية والتنظيمية والمهنية التي يقوم عليها العمل المسرحي.
وأوضح أن هذا المشروع ينبغي أن يبدأ من التشريعات العامة المنظمة للقطاع، ويمتد إلى تحديد هوية الفنان، وإرساء التراتبية الإدارية، وتفعيل البيوت المسرحية التي تعاني الفراغ، فضلًا عن تنظيم العضويات وتحديد الأطر المهنية للعمل المسرحي.
وشدد على أهمية إدراج المسرح ضمن مناهج التعليم الأساسي، بما يتيح للأجيال الجديدة فرصة التعرف إلى الفنون المسرحية وممارستها، ويسهم في تنمية ملكات التعبير والإبداع والحوار لديها منذ مراحل مبكرة.
كما دعا إلى وضع إطار واضح للاحتراف والهواية، وإعادة تنشيط الحركة المسرحية وتحفيز العاملين فيها، معتبرًا أن تحقيق هذه المتطلبات يظل مرتبطًا بوجود دولة تؤمن بأهمية المسرح، وتدرك دوره في بناء الإنسان وتطوير المجتمع.
وتكشف هذه الرؤية عن أن أزمة المسرح الليبي لا تتعلق بالإنتاج الفني وحده، بل تمتد إلى البيئة المؤسسية والتشريعية التي يُفترض أن تحتضن الفنان، وتنظم الممارسة المهنية، وتضمن استمرارية النشاط المسرحي وتراكم تجاربه.
المسرح والكتاب.. شراكة في بناء الوعي
وعن العلاقة بين المسرح والكتاب، ودورهما المشترك في بناء الوعي، أوضح الفلاح أن مختلف أشكال التعبير الثقافي تلتقي عند غاية أساسية تتمثل في تعميق وعي المواطن وترسيخ الثقافة في المجتمع.
وأشار إلى أن هذه الغاية تتصل بنشر ثقافة التسامح، وإحلال العقل النقدي والتفكير النقدي، بما يعزز فرص بناء مجتمع متجانس ومترابط، يمتلك القدرة على التطور والتطلع إلى مستقبل أفضل.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في سياق الفعاليات الثقافية المصاحبة لمعرض النيابة العامة الدولي للكتاب، الذي يتيح فضاءً للقاء بين الكتاب والمسرح وسائر أشكال الإبداع، ويؤكد أن الثقافة ليست مجرد نشاط ترفيهي أو مناسبة احتفالية، وإنما رافعة لبناء الوعي، وتوسيع آفاق التفكير، وتعزيز قيم الحوار والتفاهم بين أفراد المجتمع.
إن المسرح، بما يتيحه من تجسيد حي للصراعات الإنسانية والاجتماعية، والكتاب، بما يفتحه من آفاق للمعرفة والتأمل، يلتقيان في مخاطبة العقل والوجدان، وتشجيع المتلقي على مساءلة الواقع والنظر إليه من زوايا متعددة.
من المبادرات المتفرقة إلى مشروع ثقافي وطني
وتضع تصريحات الفلاح مسألة النهوض بالمسرح الليبي في إطار أوسع يتجاوز حدود الخشبة والعرض، ليصل إلى طبيعة السياسات الثقافية ومدى قدرتها على تحويل الإبداع إلى ممارسة مستدامة، تبدأ من المدرسة، وتتواصل عبر المؤسسات التعليمية والثقافية، وتنتهي إلى فضاء مسرحي مهني قادر على استيعاب الطاقات الجديدة والاستفادة من الخبرات المتراكمة.
وفي بلد يمتلك رصيدًا من التجارب المسرحية والأسماء الإبداعية، تبدو الحاجة ملحة إلى استثمار هذا الرصيد ضمن رؤية وطنية واضحة، تعيد تفعيل المؤسسات، وتوفر للفنانين شروط العمل والإنتاج، وتمنح الأجيال الصاعدة فرصة المشاركة في صناعة مشهد ثقافي متجدد.
وبين ما يطرحه الفلاح من ضرورة إصلاح التشريعات والهياكل المهنية، وما يؤكده من أهمية المسرح والكتاب في بناء الوعي، تتجلى حقيقة أن استعادة المسرح الليبي لدوره لا تتحقق بالمبادرات الموسمية وحدها، بل تحتاج إلى إرادة مؤسسية تؤمن بالثقافة باعتبارها استثمارًا في الإنسان، وإلى مشروع وطني يجعل من المسرح جزءًا أصيلًا من التعليم والحياة العامة، ومن مسار بناء مجتمع أكثر وعيًا وانفتاحًا وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.(الأنباء الليبية) ك و
حوار: أميرة التومي
تصوير: محمد الزرقاني