بنغازي 21 أكتوبر 2026 (الأنباء الليبية)- لم تحتج نعيمة الفلاح إلى محل تجاري لتبدأ مشروعها؛ فقد انطلقت من منزلها في مدينة بنغازي، بخامات محدودة ومهارة طورتها بالتعلم والتجربة.
ومع وصول منتجاتها إلى الزبائن، تحولت هوايتها إلى مصدر للدخل، في تجربة تعكس كيف يمكن للمشروعات الصغيرة أن تبدأ بخطوات متواضعة، بينما تظل كلفة المواد والتسويق من أبرز تحديات استمرارها.
“في البداية، كنت نحب الإكسسوارات ونحاول نصلح القطع اللي تتلف، وبعدها بدأت نتعلم كيف نصنعها بنفسي”، بهذه الفكرة بدأت الفلاح تجربتها في صناعة الإكسسوارات اليدوية، قبل أن تتوسع معرفتها من خلال متابعة صفحات متخصصة على مواقع التواصل الاجتماعي ومشاهدة المقاطع التعليمية، إلى جانب تشجيع إحدى قريباتها التي تعمل في المجال.
ومع توفر الخامات الأولى، بدأت تنفيذ تصاميمها، وتعلمت تدريجيًا طرق صناعة السلاسل والخواتم والأطقم.
وتقول إن الممارسة ساعدتها على تطوير مهاراتها وزيادة سرعة الإنتاج، حتى أصبحت قادرة على إنجاز طاقمين أو أكثر في اليوم، بحسب التصميم ودرجة تعقيده، بعدما كانت تحتاج إلى وقت أطول لصناعة طاقم واحد.
ومع مرور الوقت، لم تعد منتجاتها حبيسة المنزل؛ إذ أنشأت صفحة عبر مواقع التواصل الاجتماعي لعرض أعمالها، وبدأت تتلقى الطلبات من الزبائن، فيما ساعدتها صديقاتها ومعارفها في التعريف بمنتجاتها.
لكن تحويل المهارة إلى مصدر دخل لم يكن سهلًا في كل مراحله، فارتفاع أسعار الخامات ونقص بعض أنواعها في الأسواق المحلية، إلى جانب محدودية المحلات المتخصصة في مستلزمات صناعة الإكسسوارات، جعل توفير المواد اللازمة للإنتاج أحد أبرز التحديات التي تواجهها.
وتوضح الفلاح أن ارتفاع الأسعار دفعها إلى تغيير طريقة شراء الخامات، والاعتماد بدرجة أكبر على توفيرها بعد تلقي الطلبات بدلًا من تخزين كميات كبيرة قد لا تجد طلبًا عليها. وبهذه الطريقة تحاول الحد من تجميد رأس المال، رغم أن استمرار العمل يظل مرتبطًا بتوفر المواد في السوق.
وتقول إن أسعار معظم الأطقم التي تصنعها لا تتجاوز 100 دينار، بينما نفذت طقمًا خاصًا لعروس مقابل 120 دينارًا، غير أن تحديد السعر المناسب ليس أمرًا بسيطًا، لأن تكلفة المنتج لا تقتصر على الخامات، بل تشمل الوقت والجهد والدقة المطلوبة في تنفيذه، مع ضرورة مراعاة قدرة الزبائن الشرائية.
وجربت الفلاح عرض منتجاتها في أحد المحلات، لكنها واجهت تحديًا آخر يتعلق بهامش الربح؛ إذ إن النسبة التي يحصل عليها المحل مقابل البيع تقلل من العائد الذي تحصل عليه بعد احتساب تكلفة التصنيع. لذلك، يمنحها البيع المباشر عبر مواقع التواصل فرصة أفضل للوصول إلى الزبائن والاحتفاظ بجزء أكبر من قيمة المبيعات.
وعلى الرغم من محدودية المشروع، تمكنت الفلاح من ادخار نحو 800 دينار من عائده خلال فترة من العمل، استخدمتها في تغطية بعض احتياجاتها اليومية، من بينها الوقود وتغيير زيت السيارة وشراء مستلزمات أخرى.
وبالنسبة إليها، لا تقاس أهمية المشروع بحجم الأرباح وحده، بل بما يوفره من قدرة على تلبية بعض المصروفات من عائد عملها. ومع ذلك، فإن طموحها يتجاوز استمرار المشروع بصورته الحالية؛ فهي تسعى إلى تخصيص جزء من منزلها للعمل، وتوفير خامات متنوعة، والاستعانة بشخص يساعدها في مراحل التصنيع التي تتطلب وقتًا ودقة، مثل تركيب الخرز والقطع الصغيرة والدبابيس.
مشروعات بإمكانات محدودة
توضح تجربة الفلاح جانبًا من الفرص التي يتيحها العمل المنزلي، لكنه تكشف أيضًا أن امتلاك المهارة لا يكفي وحده لضمان استمرارية المشروع؛ إذ يحتاج صاحبه إلى إدارة التكاليف، وتحديد الأسعار، والتسويق، وتأمين مستلزمات الإنتاج.
ويرى أستاذ الاقتصاد الدكتور سليمان بلحسن المغربي أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة يمكن أن تسهم في تنشيط النشاط الاقتصادي وتوفير مصادر دخل للأفراد والأسر، خاصة أن بعض الأنشطة يمكن أن تبدأ بإمكانات محدودة ومن داخل المنزل.
وأوضح المغربي، في حديث لوكالة الأنباء الليبية، أن هذه المشروعات تتيح للفرد فرصة العمل بصورة مستقلة أو بمشاركة أفراد أسرته، والانتقال من الاعتماد على العمل بأجر لدى الغير إلى امتلاك نشاط خاص.
وأشار إلى أن أصحاب المشروعات الصغيرة يواجهون تحديات تتعلق بنقص الخبرة وضعف مهارات التسويق وارتفاع تكاليف المعدات والمواد الخام، مؤكدًا أن الاستمرار وتطوير المهارات من العوامل المهمة لتجاوز صعوبات البدايات.
وتتجسد هذه التحديات في تجربة الفلاح، التي تحتاج إلى تأمين الخامات بصورة منتظمة وتسويق منتجاتها بهامش ربح مناسب، إلى جانب تطوير مساحة العمل وزيادة قدرتها الإنتاجية.
وأكد المغربي أن دعم المشروعات المنزلية لا ينبغي أن يقتصر على التمويل، بل يشمل التدريب الفني والإداري، وتطوير مهارات التسويق، وإتاحة قنوات لعرض المنتجات والوصول إلى الأسواق.
وأضاف أن أنشطة مثل الخياطة وصناعة الأثاث والحلويات والمواد الغذائية وغيرها من الحرف يمكن أن تبدأ من المنزل، ثم تتوسع تدريجيًا مع زيادة الخبرة والطلب. كما أن توفير التمويل بضمانات مناسبة، بالتوازي مع التدريب والتسويق، يمكن أن يشجع الشباب من الجنسين على تحويل مهاراتهم إلى مشروعات إنتاجية.
طموح للتوسع رغم التحديات
بالنسبة إلى الفلاح، يمثل تطوير المشروع خطوة نحو تنظيم العمل وزيادة الإنتاج، وليس مجرد توسيع قائمة المنتجات. فتوفير خامات جيدة ومتنوعة، وإيجاد وسائل تسويق أكثر ملاءمة، يمكن أن يساعداها على تلبية الطلبات وتحقيق عائد يتناسب مع الوقت والجهد المبذولين.
وتعكس تجربتها كيف يمكن للهواية أن تصبح نشاطًا اقتصاديًا يساهم في تغطية بعض النفقات اليومية، لكنها تظهر في الوقت نفسه العقبات التي قد تحد من نمو المشروعات المنزلية، بدءًا من تكلفة المواد الخام وصولًا إلى صعوبة الوصول إلى الأسواق بهامش ربح مناسب.
وبين مهارة تتطور بالممارسة وطموح للتوسع، تواصل نعيمة الفلاح العمل على مشروعها الذي بدأ بإمكانات محدودة. أما انتقال تجارب مماثلة إلى أنشطة أكثر استقرارًا، فيرتبط بقدرة أصحابها على تطوير الإنتاج وإدارة التكاليف، وبوجود فرص أفضل للتدريب والتسويق والوصول إلى الزبائن. (الأنباء الليبية) ك و
تقرير: هبة الفيتوري