بنغازي 11 سبتمبر 2026 (الأنباء الليبية) – لا يبدأ السؤال بالنسبة لكثير من الأسر الليبية عند نهاية كل شهر من قيمة المرتب، وإنما من قائمة الاحتياجات التي تنتظر دورها، من الغذاء والسكن والمواصلات إلى الدواء والتعليم والخدمات، في وقت يظل فيه أثر أي زيادة في الدخل مرتبطًا بما تستطيع الأسرة شراءه فعليًا.
وتثير زيادة المرتبات، التي تُطرح كإحدى وسائل تحسين دخول المواطنين، تساؤلًا أوسع حول قدرتها على رفع مستوى المعيشة، في ظل تغير الأسعار وتكاليف السلع والخدمات وتطورات سعر الصرف.
المرتب أمام تكاليف المعيشة
يبلغ الحد الأدنى القانوني للأجور في ليبيا 1,000 دينار شهريًا، فيما تبلغ المعاشات الدنيا للمتقاعدين نحو 900 دينار، غير أن قيمة هذه الدخول تختلف بحسب حجم الأسرة والتزاماتها وتكلفة احتياجاتها الأساسية.
وتقول المواطنة فاطمة أحمد إن أسرتها المكونة من 5 أفراد تواجه ضغوطًا مالية متزايدة، موضحة أن متوسط دخل الأسرة يبلغ نحو 3,000 دينار شهريًا، وأن ارتفاع أسعار السلع والخدمات دفعها إلى الاستغناء عن بعض الاحتياجات غير الأساسية وترشيد الإنفاق.
وأضافت أن العودة إلى المدارس وشهر رمضان وعيد الأضحى تمثل مواسم ضغط إضافية على ميزانية الأسرة، مشيرة إلى أن الارتفاع المستمر في الأسعار جعل السيطرة على المصروفات أكثر صعوبة، وأدخل الأسرة في أزمات مالية متكررة رغم محاولات التكيف.
ويرى الأستاذ المشارك بكلية الاقتصاد في جامعة إجدابيا، الدكتور سليمان بالحسن المغربي، أن رفع المرتبات لا يعالج بالضرورة انخفاض الدخل الحقيقي، موضحًا أن زيادة الإنفاق العام على الأجور قد تضغط على الموازنة والقوة الشرائية للعملة المحلية إذا لم تقابلها زيادة في الإنتاج.
وأشار المغربي إلى أن رفع راتب الموظف من 1,000 إلى 1,500 دينار، على سبيل المثال، لا يعني بالضرورة تحسن قدرته الشرائية إذا رافق ذلك ارتفاع في الأسعار أو انخفاض في قيمة العملة.
وأكد أن تحسين مستوى معيشة المواطنين يتطلب تنويع مصادر الدخل، وزيادة تدفق النقد الأجنبي، وتشجيع الاستثمار الأجنبي والقطاع الخاص، مع اشتراط توظيف وتدريب العمالة المحلية، إلى جانب وضع تشريعات تنظم سوق العمل وتحدد حدًا مناسبًا للأجور.
وفي جانب آخر، يقول أحمد الشيخي، وهو ميكانيكي، إن المواطن بحاجة إلى دخل يتناسب مع تكاليف الحياة، لكنه يرى أن زيادة المرتبات لن تحقق الغاية المرجوة منها إذا لم تتزامن مع إجراءات تحد من ارتفاع الأسعار.
ويتساءل الشيخي: “ماذا سيحدث إذا زادت المرتبات وارتفعت الأسعار في الوقت نفسه؟”، موضحًا أن زيادة الدخل قد تفقد جزءًا من قيمتها إذا قابلها ارتفاع في أسعار الغذاء والدواء وقطع غيار السيارات والخدمات والاحتياجات الأساسية.
الأسعار وسعر الصرف
وعلى مستوى السوق، يقول مدير إدارة التجارة الداخلية ورئيس لجنة التسعيرة بوزارة الاقتصاد، فتحي أبو هيسة، إن الوزارة تتابع حركة الأسعار بصورة مستمرة، مشيرًا إلى تفعيل لجنة التسعيرة الرئيسية لدراسة أسباب الارتفاعات واتخاذ الإجراءات اللازمة حيالها.
وأوضح أن الارتفاعات لا ترتبط بصورة مباشرة بزيادة المرتبات، وإنما تعود إلى عوامل متعددة، من بينها ارتفاع الأسعار العالمية وتكاليف الشحن والتأمين نتيجة الاضطرابات الدولية، إلى جانب ارتفاع تكلفة إنتاج بعض السلع المحلية بسبب انقطاع الكهرباء ونقص الديزل، فضلًا عن تكاليف النقل بين المدن.
وأشار أبو هيسة إلى أن بعض السلع شهدت في المقابل انخفاضًا في الأسعار، بينها الخضروات والفواكه والدواجن والبيض، بينما ارتفع سعر الدقيق نتيجة نقص الديزل وارتفاع السعر العالمي للقمح.
ويقول محمد، صاحب محل تجاري في أحد شوارع بنغازي، إن عددًا من السلع شهد ارتفاعًا خلال الفترة الأخيرة، موضحًا أن سعر شراء علبة حليب “الكوست” ارتفع من 5 دنانير إلى 6.5 دينار، فيما ارتفع سعر شراء جبنة «النسيم» من 2 دينار إلى 3.5 دينار.
وفي المقابل، أشار إلى انخفاض أسعار بعض السلع، موضحًا أن سعر شراء البيض تراجع من 19 دينارًا إلى 13 دينارًا، والدجاج من 45 دينارًا إلى 35 دينارًا.
وأرجع تفاوت الأسعار إلى تكاليف التوريد والنقل وأسعار الجملة وتغيرات سعر الصرف، إضافة إلى حجم المعروض ومستوى المنافسة والطلب، موضحًا أن تغير أسعار الشراء ينعكس بدرجات متفاوتة على السعر النهائي للمستهلك.
وفي السياق ذاته، قال مدير مكتب وزير الاقتصاد بالحكومة الليبية، محمد الجهاني، إن الوزارة اتخذت منذ بداية العام عددًا من الإجراءات ضمن خطتها للعام 2026، من بينها إعادة تشكيل وتفعيل لجنة التسعيرة الرئيسية، وإصدار قرارات بتفويض مراقبي الاقتصاد تحديد أسعار الخضروات والفواكه واللحوم والدواجن، وإحالة التسعيرات إلى فروع جهاز الحرس البلدي لمتابعة تنفيذها كلٌّ في نطاق اختصاصه.
وأوضح الجهاني أن ارتفاع الأسعار الحالي لا يرتبط بزيادة المرتبات، وإنما يعود إلى ارتفاع الأسعار العالمية وتكاليف الشحن والتأمين، إلى جانب ارتفاع تكلفة إنتاج بعض السلع المحلية نتيجة انقطاع الكهرباء واضطرار المصانع إلى تشغيل المولدات بالديزل، فضلًا عن ارتفاع تكاليف النقل.
وأشار إلى أن بعض السلع شهدت انخفاضًا واضحًا في الأسعار، خاصة الخضروات والفواكه والدواجن والبيض، بينما ارتفع سعر الدقيق نتيجة نقص الديزل وارتفاع السعر العالمي للقمح بأكثر من 17%.
وأكد الجهاني أن استقرار الشبكة الكهربائية وتوفر الديزل من شأنهما الإسهام في خفض أسعار عدد من السلع، من خلال تقليل الاعتماد على المولدات في المصانع وثلاجات التخزين، وخفض تكاليف نقل البضائع بين المدن.
ويرى رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي، الدكتور حلمي القماطي، أن زيادة المرتبات يمكن أن تحسن القوة الشرائية، لكنها ليست كافية بمفردها، موضحًا أن أثرها يرتبط بالفارق بين نمو الأجور ونمو الأسعار.
وقال إن زيادة المرتبات ترفع الدخل المتاح للأسر وتزيد الطلب على السلع والخدمات، لكن أثرها يكون أكثر استدامة عندما يقابله نمو في الإنتاج والعرض.
وحذر القماطي من أن زيادة الأجور في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد ويعاني ضعف الإنتاج المحلي واختناقات العرض قد تضغط على الأسعار وسعر الصرف إذا لم تقابلها زيادة حقيقية في الإنتاج، بما قد يقود إلى ما يعرف بـ«دوامة الأجور والأسعار».
وأكد أن زيادة الأجور لا تؤدي تلقائيًا إلى التضخم، مشيرًا إلى أن ضبط تمويل الزيادة، ورفع الإنتاجية، وزيادة الإنتاج المحلي، وتعزيز المنافسة، ومعالجة اختناقات العرض، يمكن أن تحد من آثارها التضخمية.
ولا ينفصل أثر زيادة المرتبات عن تطورات سعر الصرف، خصوصًا في ظل اعتماد السوق المحلية بدرجة كبيرة على السلع المستوردة. ووفق البيانات المشار إليها، يبلغ متوسط سعر صرف الدولار الأمريكي نحو 6.3256 دينار، فيما يدور سعره في السوق الموازية عند نحو 9.25 دينار، وهي فجوة تؤثر في تكلفة الاستيراد وأسعار السلع.
وفي هذا السياق، أصدرت وزارة الاقتصاد والتجارة بحكومة الوحدة الوطنية القرار رقم 449 لسنة 2026 بشأن تنظيم توريد السلع والبضائع لغرض التجارة، ونص على حظر توريد السلع والبضائع المخصصة للتجارة خارج القنوات المصرفية اعتبارًا من 30 سبتمبر 2026، وفق الآليات والضوابط المعتمدة.
وتشير بيانات وزارة الاقتصاد والتجارة إلى تسجيل ليبيا فائضًا في الميزان التجاري بلغ 6.256 مليار دولار حتى نهاية يوليو 2026، بعد صادرات بقيمة 17.863 مليار دولار مقابل واردات سلعية بلغت 11.607 مليار دولار.
غير أن هذا الفائض لا يعني بالضرورة تحسن القدرة الشرائية للأسر، إذ تحدد القوة الشرائية بدرجة أكبر مستويات الدخل الحقيقي وتكلفة السلع والخدمات وتطورات سعر الصرف.
الزيادة وفاتورة الأجور
وبينما تمثل زيادة المرتبات مطلبًا لتحسين دخول أصحاب الأجور المحدودة، تفرض فاتورة الأجور سؤالًا آخر يتعلق بقدرة المالية العامة على تحمل زيادة جديدة.
وبحسب بيان الإيراد والإنفاق العام الصادر عن مصرف ليبيا المركزي، بلغت نفقات الباب الأول، المخصص للمرتبات، نحو 73.3 مليار دينار خلال عام 2025 للجهات الممولة من الخزانة العامة، وهو ما يجعل أي زيادة جديدة مرتبطة ليس فقط بحجم الزيادة المقترحة، وإنما بمصدر تمويلها وأثرها على بقية بنود الإنفاق العام.
ويرى المغربي أن معالجة انخفاض الدخل الحقيقي لا ينبغي أن تقتصر على زيادة المرتبات، بل تتطلب سياسات أوسع لتنويع مصادر الدخل وتشجيع الاستثمار ورفع قيمة العملة وتهيئة بيئة اقتصادية قادرة على خلق فرص عمل ودخول أكثر استدامة.
في النهاية، لا يبدأ اختبار زيادة المرتبات من الرقم الذي تعلنه الدولة، ولا ينتهي عند قيمة المبلغ الذي يضاف إلى كشف المرتب، وإنما يظهر عند شراء السلع ودفع تكاليف الخدمات وتلبية احتياجات الأسرة.
فإذا ارتفع الدخل واستقرت الأسعار وتحسن الإنتاج، يمكن أن تتحول الزيادة إلى تحسن فعلي في مستوى المعيشة. أما إذا رافقتها ارتفاعات جديدة في الأسعار وتكاليف الاستيراد، فقد يفقد جزء منها قيمته الحقيقية.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يهم المواطن في النهاية ليس فقط: كم ستزيد المرتبات؟ بل: كم سيبقى من هذه الزيادة بعد أن تدفع الأسرة مصروفها؟. (الأنباء الليبية) ك و
تقرير: حنان الحوتي