بنغازي 03 مايو 2026 (الأنباء الليبية) – يحلّ اليوم العالمي لحرية الصحافة هذا العام في ظل متغيرات متسارعة يشهدها قطاع الإعلام، ما يفرض تحديات متزايدة على العمل الصحفي، خاصة فيما يتعلق بالحفاظ على المصداقية وضمان السلامة المهنية.
وتُسلّط هذه المناسبة الضوء على أهمية تعزيز بيئة إعلامية قائمة على المسؤولية والالتزام بأخلاقيات المهنة، بما يدعم دور الصحافة في خدمة المجتمع وترسيخ مبادئ الشفافية.
بين سرعة النشر وأزمة الثقة
وترى الصحفية أسماء موسى صهد أن وسائل التواصل الاجتماعي أعادت تشكيل المشهد الإعلامي بشكل جذري، موضحة أن سرعة تداول الأخبار أتاحت وصولًا أوسع للمعلومة، لكنها في المقابل فتحت الباب أمام انتشار الأخبار غير الدقيقة.
وتقول لصحيفة الأنباء الليبية، إن التحدي لم يعد في نقل الخبر بقدر ما أصبح في التحقق منه، لافتة إلى أن السعي وراء “الترند” بات في أحيان كثيرة على حساب المصداقية والمحتوى الجاد.
وتؤكد أن الصحفي المهني سيظل حاضرًا رغم هذا التحول، لأن الجمهور، وسط تدفق المعلومات، يبحث عمن يمتلك القدرة على التحقق والتحليل، وليس مجرد النقل، معتبرة أن وسائل التواصل تمثل أداة مساندة لا بديلًا عن العمل الصحفي القائم على المسؤولية وأخلاقيات المهنة.
تطور التجربة الصحفية
وفي سياق متصل، تستعرض الصحفية بالهيئة العامة للصحافة آمال بالحاج ملامح التحول في تجربتها المهنية، مشيرة إلى أن بداياتها في العمل الصحفي كانت في ظل محدودية واضحة في مصادر المعلومات، حيث كان الاعتماد على عدد محدود من المصادر أو على توجيهات رئيس القسم في اختيار الموضوعات.
وتوضح أن هذه المعادلة تغيّرت مع مرور الوقت، بفضل تراكم الخبرة وكثرة التدريب والعمل الميداني، ما أسهم في توسيع دائرة مصادرها، ومنحها قدرة أكبر على اختيار المصدر الأنسب لكل موضوع.
وتقول إن بناء شبكة من العلاقات المهنية أتاح لها قدرًا أكبر من الاستقلالية في العمل، بعد أن كان اختيار الموضوعات في السابق مرتبطًا بشكل كبير بالتوجيهات الإدارية.
وتضيف أن العمل الصحفي أصبح أكثر تشويقًا، خاصة في إطار العمل الجماعي في إعداد التقارير والاستطلاعات، مؤكدة أن هذا النوع من العمل يثري التجربة المهنية ويعزز من جودة المنتج الصحفي.
وتلفت بالحاج إلى أن التطرق إلى القضايا التي تمس حياة الناس بشكل مباشر يظل من أكثر الجوانب تحديًا، لما يتطلبه من جهد وحساسية عالية، إلى جانب ما قد يرافقه من صعوبات ميدانية عند ملامسة معاناة المواطنين.
بيئة العمل الصحفي
وفي هذا السياق، تسلط الصحفية بالهيئة العامة للصحافة جيهان قدربوه الضوء على واقع السلامة المهنية، مؤكدة أن مهنة الصحافة بطبيعتها مهنة محفوفة بالتحديات.
وتوضح أن العمل الصحفي القائم على البحث عن المعلومة وتقصي الحقائق يضع الصحفي في مواجهة مع جهات متعددة، قد تكون حكومات أو جماعات، خاصة في مناطق النزاع، مشيرة إلى أن المخاطر لا تقتصر على الجانب السياسي فقط.
وتقول: “لا يمكن القول إن الصحفي يعمل في بيئة آمنة، إذ قد يتعرض للأذى الجسدي، كالاعتداء عليه، إلى جانب ضغوط نفسية ومضايقات، وحملات تشويه، بل وقد تصل التهديدات إلى أفراد أسرته”.
وتضيف أن هذه الظروف تجعل بيئة العمل الصحفي مليئة بالمخاطر، ما يستدعي تعزيز آليات الحماية، ورفع الوعي بأهمية دور الصحافة، وضمان الحد الأدنى من الأمان للعاملين في هذا المجال.
دعوة للعودة إلى أخلاقيات المهنة
من جانبها، شددت الصحفية هند علي على أهمية الالتزام بالمعايير المهنية، معتبرة أن الساحة الإعلامية تشهد “فوضى عارمة” نتيجة انتشار الأخبار المضللة وأنماط سرد لا تستند إلى أسس علمية.
وأكدت أن العمل الصحفي “لم يعد يحتمل الاجتهاد غير المؤسس”، داعية الصحفيين، خاصة الجدد، إلى الاستفادة من خبرات الرواد والتعامل مع المهنة بوعي ودراية ومسؤولية.
النجاح يُقاس بالمصداقية لا بالحجم
وفي قراءتها للتحولات التقنية، قالت الصحفية أمينة الشلماني إن معايير النجاح في العمل الصحفي تغيّرت، موضحة أن التفوق اليوم “لا يرتبط بحجم المؤسسة بقدر ما يقوم على المصداقية والتخصص والقدرة على توظيف الأدوات الرقمية بذكاء”.
المؤسسات الإعلامية.. من نقل الخبر إلى حماية الحقيقة
من جانبها، تؤكد الصحفية والباحثة وفاء بوجواري أن دور المؤسسات الإعلامية شهد تحولًا جوهريًا، حيث لم يعد مقتصرًا على نقل الأخبار، بل بات يرتكز على حماية الحقيقة وتعزيز الثقة.
وتشير إلى أن تحقيق ذلك يتطلب الاستثمار في تدريب الكوادر، والفصل الواضح بين الرأي والمعلومة، إلى جانب إحياء صحافة التوثيق وتعزيز المسؤولية الاجتماعية، مع مواكبة التطور التكنولوجي بوعي.
وتختتم بوجواري رؤيتها بالتأكيد على أن المصداقية تظل “الرصيد الأهم” للمؤسسات الإعلامية، مهما تغيرت الأدوات والوسائل.
الصحافة الليبية وأزمة المهنة
قالت مدير تحرير مجلة “البيت” الإلكترونية، رجاء الشيخي، إنه لا يمكن تقييم واقع الصحافة الليبية أو قراءة لسان حالها اليوم بمعزل عن التحولات السياسية والاقتصادية العميقة التي تمر بها البلاد، موضحة أن الإعلام بصفة عامة والصحافة على وجه التحديد لم تكن مجرد مراقب لهذه الأحداث، بل كانت إحدى الأدوات الفاعلة في هذه التحولات، حيث صاحبتها بوقائعها وأثرت بشكل مباشر في صياغة الحياة السياسية، مما أسهم في تشكيل مشهد إعلامي معقد وشديد التشظي.
وأضافت أن الحاجة إلى صحافة موضوعية ونزيهة وإعلام مستقل يمارس دوره الرقابي بمسؤولية تقابلها انقسامات سياسية حادة، أدت إلى بروز ما يمكن وصفه بالصحافة الهجينة، التي تراجعت فيها المعايير المهنية لصالح خطاب تعبوي ومتحيز مرتبط بالتجاذبات السياسية.
وأشارت إلى أن المعضلة الأساسية تتمثل في أزمة الأخلاق والمعايير، حيث يفتقر العمل الصحفي في ليبيا إلى ضوابط مهنية واضحة، في ظل غياب ميثاق شرف إعلامي ملزم يحدد الحقوق والواجبات، وهو ما عمّق الأزمة مع ضعف الأجسام النقابية، وعلى رأسها النقابة العامة للصحفيين، ما جعل المشهد المهني ضبابيًا.
ولفتت إلى أن الجانب الاقتصادي يزيد من تعقيد الواقع، نتيجة غياب الاستقلالية والتمويل الشفاف للوسائل الإعلامية، الأمر الذي انعكس على أداء المؤسسات واستقرارها.
واختتمت بالقول إن الصحافة الليبية تعكس في جوهرها الواقع السياسي والاقتصادي للبلاد، وأن أي خلل في المشهد الإعلامي هو انعكاس مباشر للأزمات القائمة، ما يجعل الوصول إلى إعلام مهني متكامل مرهونًا بإصلاحات أوسع في البيئة العامة.
الصحافة ركيزة للرقابة والحد من الفساد
بدوره، يوضح عميد كلية الإعلام الدكتور محمد المنفي أن اليوم العالمي للصحافة يمثل مناسبة للتأكيد على جوهر المهنة المرتبط بحرية التعبير والمسؤولية الاجتماعية.
ويشير إلى أن الصحافة تؤدي دورًا رقابيًا أساسيًا في المجتمعات، لافتًا إلى أن وجود إعلام حر يسهم في الحد من مظاهر الفساد، خاصة الرشوة، استنادًا إلى دراسات تربط بين حرية الصحافة وتراجع معدلات الفساد.
ويضيف أن الصحافة ليست فقط وسيلة لنقل الأخبار، بل أداة فاعلة في متابعة أداء المؤسسات وتعزيز وعي المجتمع.
تحديات مهنية ومعوقات الوصول إلى المعلومة
في السياق ذاته، يلفت رئيس تحرير صحيفة “الحياة” محمد الصريط إلى أن من أبرز التحديات التي تواجه الصحفي في ليبيا ضعف فهم بعض الجهات لطبيعة عمله، ما ينعكس سلبًا على أدائه.
ويقول إن الصحفي لا يزال يُعامل أحيانًا باعتباره مصدر إزعاج أو تهديد، بدلًا من كونه شريكًا في كشف الحقيقة، مشيرًا إلى أن صعوبة الحصول على المعلومات من الجهات الرسمية تمثل عائقًا حقيقيًا أمام العمل الصحفي.
ويؤكد أن غياب الدعم المؤسسي، وضعف دور النقابات في حماية الصحفيين، يزيد من تعقيد المشهد، خاصة في ظل الانقسامات التي تشهدها بعض مؤسسات الدولة.
ويشدد الصريط على أن فهم دور الصحافة واحترام مهامها يمثلان خطوة أساسية نحو بناء بيئة إعلامية أكثر مهنية، مؤكدًا أن وعي الصحفي بحقوقه وواجباته يظل عنصرًا حاسمًا في تطوير الأداء الإعلامي.
مهنة تتجدد وتتمسك بثوابتها
وبين التحولات الرقمية والتحديات الميدانية، يتفق المشاركون في هذا الاستطلاع على أن مهنة الصحافة، رغم ما تواجهه من صعوبات، لا تزال قادرة على التكيف، شرط التمسك بالمهنية والمصداقية.
وفي اليوم العالمي للصحافة، تبقى الكلمة الصادقة، كما يؤكد الصحفيون، هي الرهان الحقيقي في معركة الوعي، وأساس بناء إعلام مسؤول يواكب المتغيرات دون أن يفقد بوصلته.(الأنباء الليبية) ك و
متابعة: أحلام الجبالي / هدى الشيخي


