طرابلس 03 مايو 2026 (الأنباء الليبية) – يصادف الثالث من مايو من كل عام الاحتفاء بـ اليوم العالمي لحرية الصحافة، وهي مناسبة أممية أقرّتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1993 لتجديد الالتزام بحرية التعبير وضمان حق الوصول إلى المعلومات.
وعلى امتداد أكثر من ثلاثة عقود، ظل هذا اليوم محطة للتقييم والمراجعة المهنية، لكنه بات اليوم يحمل دلالات أكثر تعقيدا في ظل التحولات السياسية والتكنولوجية المتسارعة التي تعيد تشكيل المشهد الإعلامي عالميا.
ولاحظ محرر الشؤون الدولية بوكالة الأنباء الليبية (وال) أنه على الصعيد الدولي، لم تعد حرية الصحافة قضية مرتبطة فقط بالتشريعات، بل أصبحت رهينة توازنات القوة والنفوذ، سواء بين الدول أو داخل الفضاء الرقمي الذي تهيمن عليه شركات التكنولوجيا الكبرى. ورغم أن ثورة الاتصالات أتاحت تدفقا غير مسبوق للمعلومات، فإنها في المقابل فتحت الباب واسعا أمام التضليل الإعلامي والحروب الدعائية، كما يتجلى في تغطيات النزاعات الكبرى مثل الحرب الروسية الأوكرانية، وحرب تدمير قطاع غزة والحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية حيث تتداخل الروايات وتتضارب الحقائق، ما يجعل المتلقي أمام مشهد إعلامي شديد الاستقطاب، ناهيك عن تعاظم الفيضان الإعلامي والمعلوماتي من الشمال إلى الجنوب.
أما في ليبيا، يرى المحرر، فإن الواقع الإعلامي لا يزال يعكس هشاشة المشهد السياسي العام، فاستمرار الانقسام المؤسساتي والصراع على السلطة، إلى جانب انتشار السلاح وضعف سيادة القانون، كلها عوامل أسهمت في خلق بيئة غير آمنة للعمل الصحفي. وتواجه وسائل الإعلام الليبية تحديات مركبة، من بينها الاستقطاب الحاد، والتأثيرات المالية والسياسية، وغياب إطار قانوني حديث ينظم العمل الصحفي ويضمن استقلاليته.
ورغم ذلك، لا تزال هناك محاولات مهنية جادة للحفاظ على الحد الأدنى من التوازن والالتزام بأخلاقيات المهنة، في ظل شح الإمكانيات وضبابية المشهد.
وشدد المحرر في هذا السياق، على الحاجة الملحّة إلى إصلاحات هيكلية، تبدأ بتحديث التشريعات الإعلامية، وتعزيز استقلال المؤسسات الصحفية، وتطوير التعليم الإعلامي، وصولا إلى إنشاء كيان نقابي موحّد يدافع عن حقوق الصحفيين ويعزز وحدتهم بعيدا عن التجاذبات السياسية مشيرا إلى أن بناء ثقافة مهنية قائمة على التحقق والمساءلة بات ضرورة لمواجهة سيل المعلومات المضللة الذي يغمر الفضاء الرقمي في ليبيا.
وأضاف أن (وال)، رغم أزمة السلطة التي تعيشها البلاد، وعمليات الاستقطاب الواسعة، ظل شعارها ومنهجها وسياستها التحريرية هو الالتزام بأصول وأخلاقيات العمل الصحفي المهني، واستطاعت أن تُحافظ إلى حد كبير على مسافة واحدة من أطراف الصراع على السلطة، ومنعت تشظي هذه المؤسسة الإعلامية الوطنية العريقة رغم قلة الإمكانيات وشح الموارد وضبابية المشهد السياسي بشكل عام.
ودعا بالمناسبة إلى تمكين الصحفيين الليبيين من الوصول إلى المعلومة بشكل حر وآمن، باعتبار ذلك حجر الزاوية لأي عمل صحفي مهني. فتعزيز الشفافية داخل المؤسسات العامة، وإرساء مبدأ الإفصاح، وتبني سياسات واضحة تضمن تدفق المعلومات، من شأنها أن ترفع من جودة المحتوى الإعلامي وتحد من انتشار الشائعات والمعلومات المضللة التي تجد في غياب المعلومة بيئة خصبة للانتشار.
وأكد أن تطوير المشهد الإعلامي الليبي يتطلب العمل على تحييد المؤسسات الصحفية عن التجاذبات السياسية، وترسيخ مبدأ الاستقلالية التحريرية، بما يضمن نقل الوقائع بموضوعية ومهنية.
وفي هذا السياق، تتحمل المؤسسات الإعلامية مسؤولية مضاعفة في الالتزام بأخلاقيات المهنة، ورفض الانخراط في حملات التحريض أو التضليل، والعمل على بناء ثقة الجمهور التي تضررت بفعل سنوات من الانقسام.
وشدد في سياق متصل على أن الاستثمار في العنصر البشري لا يقلّ أهمية عن هذه الإصلاحات الهيكلية، خاصة في فئة الصحفيين الشباب مبينا أن تعزيز برامج التدريب والتأهيل، ومواكبة التطورات الرقمية، وتنمية مهارات التحقق من المعلومات والصحافة الاستقصائية، بات ضرورة ملحّة لمواجهة تحديات العصر. كما أن دعم المبادرات المهنية، وتطوير بيئة العمل، يسهمان في خلق جيل جديد من الصحفيين القادرين على الارتقاء بالمهنة.
ورأى محرر الشؤون الدولية بـ (وال) أن أخطر ما يواجه الصحافة اليوم يتجسد في الاستهداف المباشر للصحفيين في مناطق النزاع مبينا أن الحرب على غزة، شكلت واحدة من أكثر الفترات دموية في تاريخ العمل الصحفي، حيث قُتل ما لا يقل عن 262 صحفيا وصحفية أثناء تأدية عملهم، ما يجعلها الحرب الأكثر فتكا بالصحفيين على الإطلاق.
وأوضح في هذا الصدد أن هذا الاستهداف الممنهج على أيدي قوات الاحتلال الصهيوني المدعوم أمريكيا وأوربيا، يطرح تساؤلات جدية حول مدى احترام القانون الدولي الإنساني، ويكشف في الوقت ذاته عن عجز المجتمع الدولي عن توفير الحماية اللازمة للعاملين في المجال الإعلامي.
وقال إن الصمت الدولي إزاء هذه الجرائم يثير قلقا بالغا، خاصة في ظل اقتصار ردود الفعل على بيانات الإدانة الصادرة عن بعض النقابات والمنظمات الصحفية، دون اتخاذ إجراءات عملية رادعة ملاحظا أن استمرار هذا النهج يهدد بتكريس ثقافة الإفلات من العقاب، ويقوّض الدور الحيوي للصحافة كسلطة رقابية تسهم في كشف الحقيقة.
وخلص المحرر – بعد أن حيا بهذه المناسبة، الصحفيين الليبيين وزملاءهم في مختلف أنحاء العالم، تقديرا لدورهم الحيوي في نقل الحقيقة والدفاع عن حق الجمهور في المعرفة، رغم التحديات المتزايدة التي تواجه المهنة – إلى أن اليوم العالمي لحرية الصحافة يبقى، على المستوى الوطني، مناسبة لتجديد الدعوة إلى إصلاح شامل للقطاع الإعلامي في ليبيا، يقوم على تمكين الصحفيين، وتعزيز استقلاليتهم، وتطوير قدراتهم، بما يسهم في بناء إعلام وطني مهني يواكب تطلعات المجتمع، ويؤدي رسالته في ترسيخ قيم الحقيقة والشفافية، وعلى المستوى العالمي، تذكيرا سنويا بأن حرية الصحافة ليست مكسبا نهائيا، بل معركة مستمرة تتطلب إرادة سياسية، ووعيا مجتمعيا، والتزاما مهنيا صادقا في عالم تتزايد فيه التحديات حيث تظل حماية الصحفيين وضمان استقلاليتهم شرطا أساسيا لبناء مجتمعات حرة ومستقرة. (الأنباء) ك و