بنغازي 29 مارس 2026 (الأنباء الليبية) – لا تزال تداعيات الحكم الصادر عن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس، والقاضي بعدم دستورية أربعة قوانين برلمانية تتعلق بنظام سلطة القضاء، تلقي بظلالها على المشهدين القضائي والسياسي في ليبيا، في وقت تتسع فيه دائرة الجدل حول حدود الاختصاص، ووحدة المؤسسة القضائية، وانعكاسات القرار على مسار العدالة في البلاد.
فالقرار، الذي صدر في 29 يناير الماضي، لم يُقرأ داخل الأوساط القانونية والقضائية باعتباره حكمًا دستوريًا في نزاع قانوني فحسب، بل باعتباره محطة حساسة في واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في ليبيا، وهي موقع القضاء في خريطة الانقسام السياسي، وحدود تأثير الأحكام القضائية على توازن المؤسسات.
وبحسب ما أعلنته المحكمة العليا، فإن الحكم شمل عدم دستورية أربعة قوانين برلمانية، إلى جانب ما ترتب عليها من آثار قانونية، بما في ذلك تعديلات مست بعض مواد قانون نظام القضاء، وقرارات صدرت في سياق إعادة تنظيم السلطة القضائية خلال السنوات الماضية.
ردود فعل قضائية
ولم يمر الحكم بهدوء داخل الوسط القضائي، إذ برزت خلال الأيام التالية لصدوره ردود فعل رافضة أو متحفظة، خاصة من بعض الهيئات القضائية التي اعتبرت أن تداعيات القرار قد تفتح الباب أمام مزيد من الارتباك داخل المؤسسة القضائية.
وفي هذا السياق، أصدر رؤساء وأعضاء الهيئات القضائية بمختلف محاكم الاستئناف بيانًا أكدوا فيه تمسكهم بوحدة الجهاز القضائي واستقلاله، ورفضهم لأي ترتيبات من شأنها المساس بوحدة المؤسسة أو الزج بها في دائرة الانقسام.
وشدد البيان على أن الاستقلال التام للمؤسسة القضائية يمثل ركيزة أساسية لدولة القانون، مؤكدًا ضرورة الحفاظ على وحدة الجهاز القضائي والعمل وفق القوانين النافذة.
كما أكد الموقعون أن المجلس الأعلى للقضاء بتشكيلته الحالية هو الجهة الوحيدة المختصة بشؤون أعضاء الهيئات القضائية، داعين إلى إرجاء التعامل مع أي مخرجات تتعلق بالشأن الدستوري إلى حين إقرار دستور دائم للبلاد.
ويرى متابعون أن هذا البيان عكس بوضوح حالة التحفظ القائمة داخل جزء من الجسم القضائي تجاه الأثر العملي للحكم، لا سيما في ما يتعلق بإعادة ترتيب المرجعيات أو فتح المجال أمام قراءات متباينة لاختصاصات المجلس الأعلى للقضاء.
قرار في قلب أزمة مؤسسات
ولا ينفصل الجدل المثار حول الحكم عن واقع الانقسام المؤسسي الذي تعيشه ليبيا منذ سنوات، إذ يرى مراقبون أن أي تغيير في بنية السلطة القضائية أو مرجعياتها في هذا التوقيت قد يُقرأ خارج الإطار القانوني المجرد، باعتباره جزءًا من توازنات أكثر تعقيدًا تتداخل فيها الاعتبارات القانونية والسياسية.
وفي هذا الإطار، قالت رئيسة المنظمة الليبية لحقوق الإنسان حنان الشريف إن ما يحدث داخل القضاء الليبي “ليس خلافًا قانونيًا عاديًا، بل انقسام خطير يهدد ما تبقى من فكرة العدالة في البلاد”.
وأضافت الشريف، في تصريح لوكالة الأنباء الليبية، أن الأحكام الأخيرة “أبطلت قوانين أساسية تنظم القضاء بعد سنوات من التجميد، لكن النتيجة لم تكن توحيد المسار القضائي، بل زيادة الانقسام وتعميق الإرباك القانوني”.
وأوضحت أن من أخطر تداعيات الوضع الراهن أن “المواطن الليبي قد يجد نفسه أمام تطبيق مختلف للقانون بحسب المنطقة التي يوجد فيها، لا بحسب قاعدة قانونية موحدة”، معتبرة أن هذا الأمر يمس مبدأ المساواة أمام العدالة ويضعف الثقة العامة في القضاء.
وحذرت الشريف من أن “الزج بالقضاء في قلب الصراع السياسي يحوّل المؤسسة من جهة للفصل في القانون إلى طرف ضمن الأزمة”، مؤكدة أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى عدالة منقسمة، ومرجعيات متنازع عليها، ومؤسسات أكثر هشاشة.
قراءة سياسية
ومن جانبه، رأى المحلل السياسي محمد مطيريد أن ما يشهده المشهد القضائي الليبي اليوم “يمثل أحد أخطر الاختبارات التي تواجهها المؤسسة القضائية في تاريخها الحديث”، خاصة في ظل الجدل القائم حول شرعية رئاسة المجلس الأعلى للقضاء وتنازع الاختصاصات والمقار.
وقال مطيريد، في تصريح لـوكالة الأنباء الليبية، إن “المؤسسة القضائية كانت تمثل لسنوات صمام أمان لوحدة الدولة، لكن ما يجري اليوم يضعها في قلب أزمة قد تنعكس على ما تبقى من التماسك المؤسسي في البلاد”.
وأضاف أن “التدخل القضائي الذي يترتب عليه عمليًا وجود قراءتين أو مرجعيتين داخل المؤسسة نفسها، لا يمكن فصله عن الانقسام السياسي الأوسع”، معتبرًا أن “الأحكام، مهما بلغت قوتها القانونية، يجب أن تُقرأ أيضًا من زاوية أثرها على الاستقرار ووحدة المؤسسات”.
ورأى أن معالجة هذا الملف لا ينبغي أن تتم بمنطق الغلبة أو فرض الأمر الواقع، بل عبر مقاربة قانونية ومؤسسية تحفظ هيبة القضاء وتمنع تحوله إلى ساحة نزاع جديدة.
العواقب
ورغم أن الخلاف يبدو في ظاهره محصورًا داخل المؤسسة القضائية، فإن آثاره تتجاوز الوسط القضائي إلى المواطن والدولة معًا، إذ إن استمرار التباين في المرجعيات قد يفضي إلى ارتباك في تنفيذ الأحكام، وتضارب في الإجراءات، وصعوبة في توحيد المعايير القانونية بين المناطق.
كما أن أي تصدع داخل السلطة القضائية ستكون له انعكاسات مباشرة على ثقة الليبيين في العدالة ومؤسسات الدولة، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى مؤسسات قادرة على إدارة النزاعات وفق قواعد موحدة، بعيدًا عن التجاذبات والانقسامات.
ويرى متابعون أن أخطر ما أفرزته هذه الأزمة ليس فقط الجدل القانوني الذي صاحب الحكم، بل احتمال تحول الخلاف إلى انقسام مؤسسي دائم داخل جهاز يفترض أنه يمثل مرجعية العدالة العليا في البلاد.
دعوات لتحييد القضاء وتجميد التصعيد
وفي موازاة ذلك، تتصاعد الدعوات إلى تحييد المؤسسة القضائية عن التجاذبات السياسية، وإعادة التأكيد على دورها الطبيعي باعتبارها سلطة للفصل في النزاعات لا طرفًا فيها.
ودعت المنظمة الليبية لحقوق الإنسان إلى وقف استخدام القضاء الدستوري في الصراع السياسي، والعمل على حماية وحدة المؤسسة القضائية قبل أن تتسع دائرة الانقسام داخلها.
كما يرى مراقبون أن تجاوز هذه المرحلة يتطلب تهدئة قانونية ومؤسسية، وتجميد أي خطوات تصادمية، والبحث عن صيغة تحفظ وحدة المجلس الأعلى للقضاء إلى حين الوصول إلى تسوية سياسية شاملة تنهي حالة الانقسام القائمة في البلاد.
أزمة القضاء .. انعكاس لأزمة الدولة
وفي المحصلة، لا يبدو الجدل المثار حول حكم الدائرة الدستورية مجرد خلاف قانوني معزول، بل يعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة الليبية ومؤسساتها في ظل الانقسام السياسي المستمر.
فبين من يرى في الحكم تصحيحًا لمسار قانوني سابق، ومن يعتبره قرارًا زاد المشهد تعقيدًا، يبقى الثابت أن المؤسسة القضائية الليبية تواجه اليوم اختبارًا دقيقًا يتعلق بوحدتها واستقلالها وقدرتها على البقاء خارج معادلات الصراع السياسي. (الأنباء الليبية – بنغازي) هـ ع
تقرير: أحلام الجبالي