بنغازي 09 مارس 2026 (الأنباء الليبية) – يثير تزايد أعداد رسائل الماجستير والدكتوراه في الجامعات الليبية تساؤلات حول مدى قدرة البحث العلمي على التحول من إطار أكاديمي نظري إلى أداة فاعلة في حل مشكلات المجتمع وصناعة القرار.
فبينما تتكدس آلاف الأطروحات على رفوف المكتبات الجامعية، يظل تأثيرها على التنمية محدودا، ما يطرح إشكالية حول ارتباط البحث العلمي بالاحتياجات الفعلية للدولة والمجتمع.
وفي هذا الإطار، أوضح رئيس الجمعية الليبية للجودة والتميز في التعليم حسين سالم مرجين، أن موقع البحث العلمي في ليبيا ظل شبه ثابت منذ سنوات، حيث يُنظر إليه غالبًا كوسيلة للترقيات الأكاديمية لأعضاء هيئة التدريس، أو كمسار للحصول على درجات الماجستير والدكتوراه للطلبة، دون أن يتحول إلى أداة رئيسية لمعالجة القضايا المجتمعية.
وأضاف أن مؤسسات الدولة لا تزال تفتقر إلى ثقافة الاستناد إلى الدراسات العلمية عند مواجهة المشكلات المتراكمة، مؤكدا أن الاستعانة بالبحث العلمي ليست خيارا أساسيا لدى صناع القرار عند صياغة السياسات أو البحث عن حلول للمشكلات العامة.
ويرى مرجين أن هذه الإشكالية ترتبط بطرفين رئيسيين: الأول، مؤسسات الدولة التي لم تمنح البحث العلمي المساحة الكافية لإبراز دوره في التشخيص والتحليل واقتراح الحلول، حيث يفتقر المسؤولون إلى ثقافة توظيف المعرفة العلمية في صناعة القرار. والطرف الثاني، الجامعات نفسها التي لم تطور دورها لتقديم حلول عملية للمجتمع، وظلت تركز على إنتاج الأبحاث المرتبطة بالترقيات الأكاديمية كما كان الحال منذ عقود.
رغم هذه التحديات، أشار مرجين إلى وجود تجارب ناجحة تظهر قدرة البحث العلمي على الإسهام في معالجة القضايا الوطنية عندما تتوافر الإرادة المؤسسية للاستفادة منه، مستشهدا بتجربة الاستعانة بالهيئة الليبية للبحث العلمي في معالجة مشكلة ارتفاع منسوب المياه في زليتن، حيث شكل مكتب النائب العام فريقا فنيا درس الظاهرة وحدد أسبابها وقدم مقترحات للحل، وكانت النتائج دقيقة جدا مقارنة بفريق أجنبي استعانت به الحكومة سابقا. وقد دفعت هذه التجربة مكتب النائب العام لاحقا إلى الاستعانة بالهيئة في ملفات أخرى مثل مياه الجنوب، التصدعات في مجمع مليتة الصناعي، والحرائق في مدينة الأصابعة.
وأكد مرجين أن تزايد تعقيد المشكلات المجتمعية يفرض إعادة النظر في موقع البحث العلمي داخل الدولة، داعيا إلى تعديل التشريعات والسياسات لجعل البحث العلمي شريكًا أساسيًا في معالجة القضايا الوطنية، وتخصيص ميزانيات واضحة لدعم المشاريع البحثية وتطبيق نتائج الدراسات العلمية.
وأوضح أن الاستثمار في البحث العلمي يمثل مفتاحًا لنقل الجامعات الليبية إلى أجيال أكثر تقدما من المؤسسات الأكاديمية ذات الأثر المجتمعي.
وأشار مرجين أيضا إلى أن الاستراتيجية الوطنية للبحث العلمي ما تزال قيد الانتظار لدى مجلس النواب منذ عام 2023 دون اعتمادها، مما يعكس ضعف الالتزام المؤسسي بتفعيل البحث العلمي كشريك حقيقي في صناعة السياسات.
وأضاف أن اعتماد هذه الاستراتيجية من شأنه توفير إطار مؤسسي وقانوني لتعزيز التعاون بين الجامعات ومراكز البحوث من جهة، ومؤسسات الدولة من جهة أخرى، بما يتيح توظيف المعرفة العلمية في حل المشكلات وتحسين جودة الحياة في المجتمع.
ورغم التحديات الكبيرة، أكد مرجين أن وجود نماذج ناجحة للتعاون بين المؤسسات البحثية والجهات الحكومية يؤكد أن تفعيل هذا المسار يمكن أن يسهم في ترسيخ الأمن المجتمعي، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والدعم المؤسسي اللازم.
وأوضح أن خبراء التعليم يطرحون سؤالا جوهريا حول قدرة الجامعات الليبية على الانتقال من دورها الأكاديمي التقليدي إلى دور أكثر تأثيرا في خدمة المجتمع والاقتصاد، أو استمرار حبيسة آلاف الرسائل العلمية على الرفوف بعيدا عن واقع التنمية واحتياجات الدولة. (الأنباء الليبية) س خ.
– متابعة: أحلام الجبالي