طرابلس 23 فبراير 2026 (الأنباء الليبية) – مع اقتراب موعد الإفطار في شهر رمضان، تتسلل رائحة الزيت الساخن ممزوجة بحلاوة العسل إلى الأزقة الضيقة، فتعلن دون مكبرات صوت أن “الزلابية” وصلت. في الأحياء الشعبية، تصطف الطوابير قبيل المغرب، ويتبادل الناس التحايا والابتسامات، فيما تنهمك الأيدي في تشكيل دوائر ذهبية متشابكة، كأنها جدائل من نور تحفظ سرّ المائدة الليبية في الشهر الكريم.
ليست الزلابية مجرد حلوى مقلية ومحلاة، بل طقس رمضاني بامتياز، وذاكرة جمعية تتجدد كل عام. فقلّما تجد بيتًا ليبيًا تخلو مائدته منها بعد الإفطار، بينما نادرًا ما يقبل عليها الناس خارج هذا الشهر، لتظل وفية لموسمها، مرتبطة بروح الصيام ودفء التجمعات العائلية.
في أحد أحياء وسط طرابلس، يجلس عمار محمد (65 عامًا) أمام مقلاة واسعة، يراقب عجينته وهي تنساب من وعاء مثقوب لتتشكل في الزيت المغلي دوائر متداخلة، قبل أن تتحول إلى لون ذهبي لامع. يقول عمار إن سر الزلابية يكمن في بساطتها: دقيق وخميرة ونشا وماء وقليل من ملون الطعام. تُخلط المكونات الجافة أولًا، ثم يُضاف الماء تدريجيًا حتى تصبح عجينة سائلة، تُقلى في زيت غزير، وتُغمس بعد ذلك في العسل لتقدم ساخنة، فتجمع بين القرمشة الخارجية والطراوة في الداخل.
ويؤكد عمار أن الإقبال على الزلابية و”العسلة” يتضاعف في رمضان، باعتبارهما من الحلويات الموسمية التي تجسد العادات والتقاليد الليبية. ورغم تطور وسائل الإنتاج، لا يزال يصرّ على الطريقة اليدوية، معتبرًا أن الأصالة لا تُصنع بالآلات، وأن الحفاظ على الموروث الشعبي يبدأ من المقلاة التقليدية.
في حي فشلوم وسط العاصمة طرابلس، يرى علي سالم أن الزلابية ليست مجرد صنف حلو، بل “جزء من صورة رمضان” في المخيلة الليبية. يستعيد ذكرياته قائلًا إن الناس كانوا يشترونها قديمًا طوال العام، لكنها اليوم صارت علامة رمضانية خالصة، كالفوانيس في مدن أخرى. تغيرت الأزمنة، وتبدلت العادات، إلا أن الزلابية احتفظت بمكانتها، بل ازدادت ارتباطًا بالشهر الفضيل.
ورغم ازدحام السوق الليبي في السنوات الأخيرة بأنواع شتى من الحلويات الشرقية والغربية، من الكنافة والبقلاوة إلى أصناف مستوردة تحمل أسماء أجنبية لامعة، حافظت الزلابية على مكانتها في صدارة المشهد الرمضاني. لم تُزحزحها الواجهات اللامعة ولا عبوات التغليف الفاخرة، إذ بقيت الحلوى الشعبية الأقرب إلى ذائقة الليبيين، والأكثر التصاقًا بذكرياتهم وبساطة موائدهم.
غير أن هذه الحلوى، شأنها شأن غيرها من السلع، لم تسلم من لهيب الأسعار. فمكوناتها الأساسية — الدقيق والزيت والسكر — طالتها موجات الغلاء، وانعكس ذلك مباشرة على ثمنها في الأسواق. وبات الصائم الليبي يشتري كميات أقل مما اعتاد عليه في السابق، حتى إن بعض العائلات قد تكتفي بقطعة أو قطعتين تتقاسمها بعد الإفطار، في مشهد يجمع بين حلاوة الطعم ومرارة الظروف الاقتصادية. ومع ذلك، تبقى الزلابية حاضرة، ولو بقدر أقل، شاهدة على قدرة العادات على الصمود مهما اشتدت التحديات.
ولا تنفرد ليبيا بهذه الحلوى؛ فهي معروفة في بلدان المغرب العربي مثل الجزائر وتونس، بينما تُعرف في بلاد الشام باسم “المشبكة” نسبة إلى شكلها المتداخل. غير أن لكل بلد لمسته الخاصة، ولكل بيت طريقته التي تضيف إلى العجين حكاية جديدة.
هكذا تبقى الزلابية أكثر من مجرد طعم حلو؛ إنها خيط ذهبي يربط الماضي بالحاضر، ويجمع العائلة حول طبق واحد تتقاسم منه القلوب قبل الأيدي.
ومع كل رمضان، تتجدد الحكاية… وتظل رائحة العسل الساخن قادرة على استدعاء الذاكرة من أول نفس. (الأنباء الليبية) س خ.
- متابعة وتصوير: محمد الزرقاني