بنغازي 18 فبراير 2026 (الأنباء الليبية) – في تصعيد جديد للنقاش الدائر داخل الأوساط الثقافية الأوروبية، وجّه فنانون وصنّاع أفلام من دول عدة أمس الثلاثاء انتقادات حادة إلى إدارة مهرجان برلين السينمائي، متهمين إياه بما وصفوه بـ “الصمت المؤسسي” حيال الحرب الدائرة في غزة.
جاء ذلك في رسالة مفتوحة نُشرت في مجلة فرايتي، طالبت إدارة المهرجان بإصدار بيان واضح يؤكد حق الفلسطينيين في الحياة، ويضمن حماية حرية التعبير الفني للفنانين الذين يتناولون معاناة المدنيين تحت القصف والحصار.
شددت الرسالة، التي حملت توقيعات شخصيات فنية بارزة، بينهم تيلدا سوينتون وخافيير بارديم، على أن المهرجانات الدولية لا يمكن أن تنأى بنفسها عن القضايا الإنسانية الكبرى، خصوصا عندما يتعلق الأمر بحياة المدنيين وحقوقهم الأساسية.
وأشار الموقعون إلى أن عدداً من الخبراء الأمميين اعتبروا أن حجم العمليات العسكرية لقوات الاحتلال الصهيوني وتداعياتها الإنسانية قد يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، وهو توصيف قانوني خطير لا يزال محل جدل سياسي وقانوني على المستوى الدولي.
ويأتي هذا التحرك في سياق حرب مستمرة منذ عامين خلّفت، بحسب تقديرات منظمات دولية وحقوقية، عشرات الآلاف من القتلى في قطاع غزة، إضافة إلى أعداد كبيرة من الجرحى والمفقودين، معظمهم من المدنيين، بينهم نساء وأطفال.
كما أدى الدمار الواسع في البنية التحتية إلى انهيار قطاعات الصحة والتعليم والزراعة والخدمات الأساسية خاصة الكهرباء والمياه، وسط تحذيرات متكررة من تفشي المجاعة والأوبئة نتيجة نقص الغذاء والدواء والمياه الصالحة للشرب، وانقطاع الكهرباء لفترات طويلة.
في المقابل، تؤكد سلطات الاحتلال أن عملياتها العسكرية تستهدف القضاء على الفصائل المسلحة المسؤولة عن الهجمات ضدها، وتقول “إنها تتخذ إجراءات لتقليل الخسائر في صفوف المدنيين، متهمة الفصائل باستخدام المناطق السكنية دروعا بشرية”.
غير أن صور الدمار الواسع والتقارير الميدانية الصادرة عن منظمات إنسانية دولية وتناقلتها تقارير صحفية لقنوات فضائية عالمية، عززت من حدة الانتقادات، ووسّعت دائرة المطالبات بمساءلة قانونية حول استهداف المدنيين ومنع وصول الإمدادات الأساسية، وهي أفعال قد تندرج، وفق القانون الدولي الإنساني، ضمن جرائم حرب إذا ثبت تعمدها أو عدم اتخاذ الاحتياطات الكافية لمنعها.
واعتبر الفنانون الموقعون على الرسالة أن الصمت أو الحياد في مثل هذه الظروف لا يُعد موقفا أخلاقيا، بل يُفسر على أنه تواطؤ غير مباشر. ورأوا أن المهرجانات السينمائية، بوصفها منصات عالمية لحرية التعبير، مطالبة بالدفاع عن الفنانين الذين يروون قصص الضحايا، وعدم الرضوخ لضغوط سياسية قد تحد من عرض أعمال تنتقد الحرب أو توثق معاناة المدنيين.
التحرك الفني جاء أيضا في ظل ما وصفه بعض الموقعين بـ “الصمت المريب” لكثير من الحكومات الغربية التي ترفع شعارات الدفاع عن حقوق الإنسان، لكنها لم تتخذ، بحسب منتقديها، مواقف حاسمة لوقف الحرب أو فرض عقوبات مرتبطة بحماية المدنيين كما فعلت في الحرب الروسية الأوكرانية.
هذا التباين بين الخطاب والممارسة كان دافعا إضافيا للفنانين إلى التحرك، معتبرين أن دور الثقافة يتجاوز الترفيه ليصل إلى مساءلة السلطة وتذكير الرأي العام بالقيم الإنسانية.
ولم تقتصر ردود الفعل على الرسالة المفتوحة؛ إذ شهدت فعاليات فنية أوروبية خلال الأشهر الماضية وقفات تضامنية وعروضا خاصة لأفلام توثق الواقع في غزة، إضافة إلى بيانات فردية من مخرجين وممثلين عبّروا فيها عن قلقهم من تراجع مساحة التعبير الحر عند تناول القضية الفلسطينية.
كما أُثير جدل داخل بعض المهرجانات حول سحب دعوات أو إلغاء فعاليات بدعوى “الحساسية السياسية”، ما زاد من حدة النقاش بشأن استقلالية المؤسسات الثقافية.
يعكس هذا الجدل تصادما بين رؤيتين: الأولى ترى أن المؤسسات الثقافية ينبغي أن تبقى على مسافة من الصراعات السياسية، والثانية تؤكد أن الدفاع عن حياة المدنيين وحرية التعبير ليس موقفا سياسيا بقدر ما هو التزام أخلاقي.
وبين هذين الموقفين، يواصل الفنانون الضغط لإبقاء معاناة الضحايا في صدارة المشهد، في وقت تتواصل فيه الحرب وتتصاعد أعداد المتضررين، وسط دعوات متزايدة لوقف إطلاق النار وفتح مسارات جدية للمساءلة والحل السياسي.
وفي العام الماضي، وقع أكثر من خمسة آلاف من الممثلين والفنانين والمنتجين، بينهم نجوم من هوليوود، تعهدا بعدم العمل مع مؤسسات سينمائية مرتبطة بسلطات الاحتلال اعتبروها مساهمة في الانتهاكات بحق الفلسطينيين. (الأنباء الليبية) س خ.