بنغازي 16 سبتمبر 2025 (الأنباء الليبية) – تشكل قضية صيد القمري في تازربو نموذجا واضحا للصراع بين التقاليد والهوايات من جهة، والمسؤولية البيئية من جهة أخرى.
وتظهر الصور المتداولة حجم الصيد الجائر الذي يهدد التوازن البيئي ويطرح تساؤلات حول ضرورة تطبيق قوانين صارمة لحماية الطيور.
-حادثة تازربو… من الهواية إلى الجريمة البيئية
أظهرت صور متداولة على منصات التواصل الاجتماعي أحد الصيادين في مدينة تازربو وهو يتباهى بصيد ما يقارب 518 طائرا من طيور القمري في يوم واحد، ما أثار موجة استياء واسعة في الأوساط البيئية.
واعتبرت الجمعية الليبية لحماية الحياة البرية أن ما جرى يمثل جريمة بيئية مكتملة الأركان وتهديدا مباشرا للتنوع البيولوجي، داعية السلطات المحلية والوطنية إلى فتح تحقيق عاجل وتفعيل القوانين الرادعة لمواجهة هذه التجاوزات الخطيرة.
آراء الصيادين… بين الشغف والانضباط
تباينت مواقف الصيادين حول حادثة تازربو، بين من يعتبر الصيد هواية مشروعة لها قواعد، ومن يراه إرثا اجتماعيا يجب الحفاظ عليه، في مقابل آخرين يحذرون من تحول الهواية إلى إبادة جماعية للكائنات الحية.
-عمر محمد: الصيد مسؤولية وضمير
يرى الصياد عمر محمد أن الصيد بالنسبة له هواية تمارس وفق قواعد تبدأ بالحصول على تصريح رسمي من نادي الرماية، مرورًا بالإجراءات الأمنية والتنظيمية المعتمدة.
وأشار إلى أن المشكلة لا تكمن في الهواية ذاتها، بل في بعض الصيادين الذين يتجاوزون الحدود القانونية ويحولون الصيد إلى عملية إبادة جماعية.
وأوضح أن الصيد المنظم يراعي المواسم البيولوجية للأنواع المختلفة، حيث:
يسمح بصيد الأرنب البري في شهري يونيو ويوليو، لكنه يتزامن مع موسم التزاوج، مما يتطلب وقفه مؤقتا، ويفتح صيد الحجل في نوفمبر وديسمبر، بينما يخصص شهر سبتمبر لصيد القمري فقط، وأكد أن أي تجاوز لهذه المواسم يمثل خرقا واضحا للقوانين واللوائح.
-سالم عبدالقادر: الصيد جزء من الهوية الاجتماعية
من جانبه، أكد الصياد سالم عبدالقادر أن الصيد ليس مجرد هواية بل إرث اجتماعي متجذر في الثقافة المحلية، لكنه انتقد ما وصفه بـ”القيود المبالغ فيها” المفروضة على الصيادين.
واقترح أن يكون الحل في تنظيم رحلات صيد جماعية من خلال أندية مرخصة، ما يضمن التوازن بين الحفاظ على الطيور ومنح الصيادين حرية ممارسة هوايتهم دون تجاوز.
-مفتاح الفاخري: لا لهواية تتحول إلى إبادة
أما الصياد مفتاح الفاخري فقد اتخذ موقفا متوازنا، حيث أشار إلى أن الصيد الموسمي والمنظم يمكن أن يكون نشاطا ترفيهيا مفيدا ويساهم في التوازن البيئي، لكن ما يحدث حاليا من تجاوزات، على حد قوله، تحول الهواية إلى خطر بيئي يستدعي التوعية والرقابة.
-علي السنوسي: التباهي بالإبادة إساءة للجميع
في تصريح شديد اللهجة، اعتبر الصياد علي السنوسي أن نشر صور التباهي بصيد مئات الطيور يسيء إلى صورة الصيادين الحقيقيين، مطالبا بفرض غرامات مالية كبيرة، وسحب تراخيص الصيد من كل من يخالف القوانين، مشددا على أن مسؤولية الحفاظ على البيئة مسؤولية جماعية تبدأ من وعي الصيادين أنفسهم.
-نداء بيئي عاجل من الجمعية الليبية
أكدت الجمعية أن هذه الممارسات تخالف الالتزامات الدولية التي وقعت عليها ليبيا، بوصفها طرفًا في عدة اتفاقيات دولية، من بينها: اتفاقية التنوع البيولوجي، واتفاقية الاتجار بالأنواع المهددة بالانقراض، كذلك اتفاقية الطيور المائية المهاجرة، وأيضا اتفاقية بون لحماية الأنواع المهاجرة.
وتنص هذه الاتفاقيات على ضرورة اتخاذ الدول إجراءات فعالة للحد من الصيد الجائر وضمان حماية الطيور المهاجرة على امتداد مسارات هجرتها.
جددت الجمعية الليبية لحماية الحياة البرية دعوتها إلى الجهات المعنية لتفعيل أدوات الرقابة، معتبرة أن ما جرى في تازربو ليس حادثا معزولا، بل مؤشرا على خلل عميق في تطبيق القوانين والرقابة على الحياة البرية.
وشددت الجمعية على أن حماية البيئة ليست ترفًا أو ترفيهًا، بل واجب وطني وأخلاقي وإنساني، داعية إلى: تفعيل آليات الرقابة البيئية الميدانية، وتعزيز التشريعات الخاصة بالصيد والحياة البرية، كذلك تكثيف حملات التوعية للصيادين والجهات المحلية.
وأكدت أن الحفاظ على التنوع البيولوجي هو ركيزة أساسية لضمان توازن النظم البيئية، وبقاء الأنواع، بما يخدم مستقبل الأجيال القادمة في ليبيا وخارجها.
-طائر القمري… من رمز الطبيعة إلى قائمة الخطر
تشير الإحصاءات الدولية إلى تراجع حاد في أعداد طائر القمري، حيث تم إدراجه ضمن القائمة الحمراء العالمية للأنواع المهددة بالانقراض. وتشير بيانات حديثة إلى أن:
المملكة المتحدة سجلت انخفاضا بنسبة ثلاثة وتسعين في المائة في أعداد القمري منذ عام 1994.
فيما شهدت أوروبا تراجعا بنسبة ثمانية وسبعين في المائة بين عامي 1980 و2013.
وتوضح الدراسات أن هذا الانخفاض الحاد يعود إلى عوامل متعددة، من أبرزها: تغير الممارسات الزراعية، والصيد الجائر، خاصة في دول البحر الأبيض المتوسط، أيضا الجفاف وتغير المناخ، كذلك التنافس مع اليمامة المطوقة الأوراسية، وانتشار طفيلي التريكومونوس الذي يهدد الحمامة السلحفانية
وتظهر دراسة المفوضية الأوروبية (2001) أن ما بين مليونين وأربعة ملايين طائر يتم إطلاق النار عليهم سنويا في: مالطا، قبرص، فرنسا، إيطاليا، إسبانيا، اليونان
ختاما؛ اعتبرت الدراسة أن صيد الربيع في مالطا يمثل أحد أخطر الممارسات المثيرة للجدل، بينما خلصت دراسة لاحقة عام 2007 إلى أن أربعة تهديدات رئيسية تواجه طائر القمري، ما يعزز القلق الدولي من خطر انقراضه في حال استمرار الأنشطة البشرية المدمرة. (الأنباء الليبية) س خ.
-متابعة: بشرى العقيلي