بنغازي 28 أكتوبر 2026 (الأنباء الليبية)- لم تكن السنوات الخمس التي قضتها هدى حمد حسن الساكت في مركز تأهيل وإعادة تأهيل ذوي الإعاقة ببنغازي مجرد فترة للعلاج الطبيعي، بل مرحلة تعلمت خلالها الاعتماد على نفسها في تفاصيل حياتها اليومية، من الانتقال بين الكرسي المتحرك والسرير إلى ارتداء ملابسها وممارسة بعض الأعمال المنزلية.
بدأت رحلة هدى مع الإعاقة عام 1993، عندما كانت تدرس في الصف الأول الإعدادي وأصيبت بالتهاب في النخاع الشوكي. وبعد رحلة علاج تنقلت خلالها بين عدد من المستشفيات، سافرت إلى مصر والتحقت بالمركز عام 1995، حيث أمضت نحو خمس سنوات في العلاج والتأهيل.
وتروي هدى، في حديث إلى وكالة الأنباء الليبية، تفاصيل تلك المرحلة قائلة: “قضيت نحو خمس سنوات في المركز، تلقيت خلالها العلاج الطبيعي والتأهيل الحياتي، حتى تمكنت من الانتقال من الكرسي المتحرك إلى السرير بنفسي، وتعلمت كيف أعتمد على ذاتي في ارتداء ملابسي وممارسة بعض الأعمال اليومية”.
وتضيف: “في فترة التسعينيات، كان الحصول على كرسي متحرك أمراً صعباً، وما زلنا حتى اليوم نعاني صعوبة في توفير الكراسي والمعدات المساعدة للأشخاص ذوي الإعاقة”.
ولم يقتصر دور المركز في تجربتها على العلاج، إذ التحقت هدى بدورات في الحاسوب والخياطة، وشجعها عدد من العاملين فيه على استكمال دراستها بنظام الانتساب، وساعدوها على تجاوز صعوبات الدراسة والتنقل.
وتستعيد هدى تلك المرحلة قائلة: “شجعني الموظف خالد العقوري على استكمال دراستي، وساندتني زهرة بوحلفاية وخالد الجهاني، كما تولت أم الخير مفتاح بوحلفاية تدريسي مادة الرياضيات ومتابعتي حتى الجامعة، إضافة إلى الأستاذ يحيى الحوتى خلال مرحلة الماجستير.. كان لإدارة المركز ورئيس الحركة جمال التركي بمساعدة شباب وسائقي الحركة فضل أكبر كذلك على مسيرتي التعليمية”. أثمرت تلك الجهود حصولها على ليسانس في علم الاجتماع عام 2005، قبل أن تنال درجة الماجستير لاحقاً.
لكن ما حققته هدى من استقلال لم يُنهِ الصعوبات المرتبطة بالإعاقة، إذ لا يزال الحصول على الكراسي المتحركة والمعدات المساعدة والعلاج يمثل تحدياً، في ظل ارتفاع الأسعار وطول فترات الانتظار، إلى جانب ما تصفه بتدني جودة بعض الكراسي التي تُصرف للمستفيدين.
وتوضح هدى أن أعمال الصيانة الجارية بالمركز أثرت في حصولها على جلسات العلاج الطبيعي وقدرتها على الحركة، قائلة: “حالياً، نعاني من نقص العلاج الطبيعي بسبب إغلاق المركز للصيانة، وأصبحت الحركة أكثر صعوبة، مع حدوث تقلصات وتيبس في العظام”.
وتضيف: “احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة أصبحت غالية الثمن في الصيدليات، أما الكراسي المتحركة التي تُصرف عن طريق التضامن الاجتماعي، فينتظر الشخص سنوات للحصول عليها، ثم يجد أن نوعيتها رديئة جداً”.
ولا تقتصر التحديات على العلاج والمعدات، بل تمتد إلى التنقل والوصول إلى المؤسسات التعليمية والخدمات العامة، في ظل عدم تهيئة بعض الطرق والمباني والمرافق لاحتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة.
وتستذكر هدى الصعوبات التي واجهتها خلال دراستها بجامعة عمر المختار، حيث كانت بعض القاعات تقع في أدوار علوية، فيما لم تكن دورات المياه مهيأة للاستخدام، ما اضطرها أحياناً إلى أداء الامتحانات في الساحة. وتبرز تجربتها أثر البيئة المحيطة في قدرة الأشخاص ذوي الإعاقة على مواصلة تعليمهم وتحقيق استقلالهم.
مركز يخدم مناطق مختلفة من ليبيا
وتسلط تجربة هدى الضوء على دور مركز تأهيل وإعادة تأهيل ذوي الإعاقة ببنغازي، الذي تأسس عام 1983، ويقدم خدماته للأشخاص ذوي الإعاقة الحركية من بنغازي وضواحيها، إلى جانب مستفيدين من مناطق شمال شرقي ليبيا وجنوبها.
وقالت رئيس مكتب الإعلام والأنشطة الاجتماعية بالمركز، فائزة عبدالله الشطيطي، في تصريح لوكالة الأنباء الليبية، إن المركز يقدم خدمات الرعاية الطبية والعلاج الطبيعي والتأهيل النفسي والاجتماعي والمهني، ويستقبل حالات الشلل النصفي والطولي والرباعي، إلى جانب حالات الجلطات، كما أسهم تاريخياً في تأهيل حالات شلل الأطفال.
وتشمل برامج التأهيل المهني التدريب على الحاسوب واللغة الإنجليزية والخراطة والتريكو الآلي والحرف اليدوية والجلدية وتجليد الكتب، فضلاً عن مرسم للفنون التشكيلية يتيح للمستفيدين المشاركة في معارض محلية ودولية.
كما يتضمن التأهيل الحياتي تدريب المستفيدين على مهارات تساعدهم على إدارة شؤونهم اليومية، مثل استخدام الكرسي المتحرك والانتقال بين السرير والكرسي وارتداء الملابس والتعامل مع الطرق والمنحدرات.
وفي الجانب الطبي، يضم المركز أقساماً للإيواء للرجال والنساء، ووحدة للعلاج الطبيعي تخدم المقيمين وغير المقيمين، إلى جانب وحدتي الأشعة التشخيصية والتحاليل الطبية، وورشة للأطراف الصناعية جرى تطويرها ضمن برنامج التعويض الإيطالي الليبي.
وأوضحت الشطيطي أن الورشة تقدم خدماتها لمناطق مختلفة من ليبيا، ويتركز جانب من عملها على تلبية احتياجات جرحى الحرب، كما يضم المركز مرافق للأنشطة الرياضية والاجتماعية، من بينها صالة لتنس الطاولة وكرة السلة والكرة الطائرة.
الصيانة تقلص الخدمات
ورغم تنوع خدمات المركز، فإن أعمال الصيانة الجارية أثرت في قدرته على تشغيل أقسامه المختلفة.
وأفادت الشطيطي بأن الجزء الأكبر من المركز سُلّم إلى شركة الصيانة الشاملة، فيما يقتصر النشاط الفعلي حالياً على قسمين للإيواء يضمان 40 نزيلاً، إلى جانب الكافتيريا والقسم الإداري، بينما توقفت بقية الأقسام مؤقتاً.
وأشارت إلى أن تقلص النشاط أدى إلى انخفاض جلسات العلاج الطبيعي، في حين يواجه المركز نقصاً في الكوادر الطبية والمساعدة، ومحدودية في الميزانيات السنوية، فضلاً عن عدم توافر مساحات كافية لتخزين الاحتياجات.
وتتضمن الخطط التطويرية إنشاء ثلاثة أقسام إيواء جديدة، ليرتفع العدد الإجمالي إلى خمسة أقسام بعد استكمال أعمال الصيانة، دون تحديد موعد معلن لإنجاز المشروع، وفق المعلومات المتاحة من المركز.
وتبرز تجربة هدى، إلى جانب التحديات التي تحدثت عنها إدارة المركز، أهمية استمرارية خدمات التأهيل وتوفير المعدات المساعدة وتهيئة المرافق العامة. فهذه الخدمات لا تقتصر على الرعاية الطبية، بل تساعد الأشخاص ذوي الإعاقة على المحافظة على قدراتهم، ومواصلة تعليمهم، والتنقل، والمشاركة في الحياة اليومية باستقلال أكبر. (الأنباء الليبية)
تقرير: سومة حرب