بنغازي 28 أكتوبر 2026 (الأنباء الليبية)- من حكايات الجدات التي تنتقل بين الأجيال، إلى الحرف التقليدية التي تختزن مهارات الأجداد، ومن العادات الاجتماعية التي تميز المدن والقرى، إلى المواقع الأثرية التي تروي فصولًا من تاريخ البلاد، تتشكل ملامح الهوية الليبية بوصفها ذاكرة حية لا يختصرها الماضي، بل تستمر بما يحمله الأبناء من معرفة ووعي وانتماء.
وفي ظل التغيرات الثقافية والاجتماعية المتسارعة، تبرز أهمية توثيق هذا الموروث وحمايته من الاندثار، وتعريف الأجيال الجديدة بقيمته، باعتباره إرثًا مشتركًا يعكس تنوع المجتمع الليبي وتعدد تجاربه عبر التاريخ.
وفي هذا السياق، أكدت رئيسة مجلس إدارة منظمة أساطير الأولين الدولية، صباح عثمان بلل، أهمية تعزيز الهوية الليبية وترسيخ قيم الانتماء والاعتزاز بالموروث الثقافي الوطني، مشيرة إلى أن التراث يمثل جزءًا أصيلًا من تاريخ البلاد وذاكرة أبنائها، وعنصرًا جامعًا يعكس التنوع الثقافي والحضاري لمختلف المناطق الليبية.
وأوضحت بلل، في حديث لوكالة الأنباء الليبية، أن المبادرة تأتي في إطار الاهتمام بالموروث الثقافي والتعريف بمكوناته المختلفة، والعمل على ترسيخ الوعي بأهميته لدى أفراد المجتمع، ولا سيما الأطفال والشباب، بما يعزز ارتباط الأجيال الجديدة بهويتها الوطنية ويحافظ على العادات والتقاليد والمظاهر الثقافية المتوارثة.
التراث.. أكثر من ذاكرة للماضي
ولا يقتصر الموروث الثقافي على المباني التاريخية والقطع الأثرية، بل يمتد ليشمل تفاصيل الحياة اليومية، من العادات والتقاليد الاجتماعية إلى الحرف والصناعات الشعبية، وما تحمله من معارف ومهارات تناقلتها الأجيال. وتمثل هذه العناصر، وفق بلل، مكونات أساسية تعكس تاريخ المجتمع الليبي وتطوره، وتسهم في التعريف بخصوصيته الثقافية والحضارية.
وبيّنت أن التعريف بهذا الإرث يحتاج إلى تنويع الوسائل والأنشطة، من خلال تنظيم الندوات والمحاضرات واللقاءات التوعوية، وإقامة الزيارات الميدانية التي تتيح للمشاركين التعرف على المواقع التاريخية والموروث المحلي، إلى جانب تشجيع الشباب على المشاركة الفاعلة في البرامج المعنية بالمحافظة على التراث والتعريف به.
وأكدت أن حماية الموروث لا تتوقف عند إبراز مظاهره أو الحديث عن قيمته، بل تشمل توثيقه ونقله إلى الأجيال القادمة، بما يضمن استمرار حضوره في المجتمع ويحافظ على دلالاته التاريخية والاجتماعية والثقافية، التي تعبر عن هوية الليبيين وارتباطهم بماضيهم.
تحديات تهدد استمرارية الموروث
وفي حديثها عن أبرز التحديات، أشارت بلل إلى الإهمال والتعديات التي تتعرض لها بعض المواقع الأثرية، فضلًا عن اندثار عدد من العادات والتقاليد والحرف التقليدية، وضعف عمليات التوثيق، وهي عوامل تؤثر في استمرارية بعض المظاهر التراثية وقدرة الأجيال الجديدة على التعرف عليها والمحافظة عليها.
ولفتت إلى أن التأثيرات الثقافية المتسارعة تمثل تحديًا إضافيًا، في ظل ابتعاد بعض الأجيال الجديدة عن تراثها المحلي، الأمر الذي يستدعي تكثيف الجهود التوعوية وتقديم الموروث الثقافي بأساليب تقرّبهم منه، وتعرّفهم بقيمته ومكانته في تشكيل الهوية الوطنية.
وترى بلل أن حماية التراث تبدأ من تعريف الأجيال القادمة به وتنمية شعورهم بالمسؤولية تجاهه، موضحة أن المنظمة تسعى إلى الإسهام في توثيق الموروث الثقافي الليبي والتعريف به، من خلال برامج تستهدف الأطفال والشباب، وتعزز وعيهم بأهمية المحافظة على العادات والتقاليد والحرف الشعبية والمواقع التاريخية.
تنوع ثقافي يجمع الليبيين
وشددت بلل على أن التراث الليبي، بما يتضمنه من تنوع جغرافي وثقافي، يمثل ثروة وطنية وإرثًا مشتركًا لجميع الليبيين، ولا يمكن حصره في منطقة أو مدينة بعينها، إذ يعكس تعدد التجارب والمظاهر الثقافية التي تشكل في مجموعها هوية المجتمع الليبي.
وأضافت أن هذا التنوع يستدعي الاهتمام بمختلف مكونات التراث والعمل على صونها والمحافظة عليها، بما يضمن إبراز خصوصية كل منطقة وإسهامها في الذاكرة الثقافية الوطنية.
وفي هذا الإطار، أكدت أهمية دور المؤسسات التعليمية والإعلامية ومنظمات المجتمع المدني في نشر ثقافة المحافظة على الموروث الوطني، من خلال التعريف بمكوناته وتاريخه، وتشجيع المشاركة المجتمعية في حمايته، بما يعزز حضوره في الحياة اليومية ويحد من مخاطر إهماله أو اندثار بعض مظاهره.
من التوعية إلى مشاريع التوثيق
وفيما يتعلق بالخطط المستقبلية، أوضحت بلل أن المنظمة تتطلع إلى تنفيذ مشاريع وبرامج تُعنى بتوثيق التراث الليبي والتعريف بمختلف مكوناته، وتنظيم الندوات والمؤتمرات والمعارض التي تتيح إبراز الموروث الثقافي والتعريف به، إلى جانب إطلاق برامج تستهدف الشباب وتشجعهم على الاهتمام بتاريخهم المحلي والمشاركة في المحافظة عليه.
وأضافت أن الخطط تشمل كذلك تشجيع الحرف والصناعات التقليدية، باعتبارها جزءًا من الموروث الذي يعكس مهارات المجتمع وخبراته المتوارثة، فضلًا عن تعزيز التعاون مع الجهات المختصة والمؤسسات الثقافية والسياحية، لدعم الجهود الرامية إلى حماية التراث والتعريف بقيمته الوطنية والثقافية.
وأشارت إلى أن المبادرة تتطلع إلى الخروج بتوصيات عملية تعزز الاهتمام بحماية المواقع الأثرية والموروث الثقافي، وتوسع نطاق برامج التوعية والتعريف بالتراث، وتدعم دور المؤسسات المختلفة في ترسيخ الوعي بأهميته لدى فئات المجتمع كافة.
واختتمت بلل بالتأكيد على أن الهوية الليبية تمثل عنصرًا جامعًا بين أبناء الوطن، وأن التراث ليس مجرد مظاهر من الماضي، بل ذاكرة مشتركة تعكس تاريخ المجتمع وتنوعه الثقافي، مشددة على أن المحافظة عليه مسؤولية وطنية تتطلب تضافر الجهود وتعزيز الوعي بقيمته، لضمان استمراره وانتقاله إلى الأجيال القادمة. (الأنباء الليبية)
هبة العلواني