بنغازي 17 أكتوبر 2026 (الأنباء الليبية) – في اليوم الدولي للقضاء على الفقر، تتجدد الدعوات للحد من الفقر وتحسين ظروف المعيشة، لكن واقع الحياة اليومية يضع هذه القضية أمامنا بشكل أكثر وضوحًا، ففي ليبيا، يواجه المواطنون خلال الفترة الأخيرة ضغوطًا معيشية متزايدة، في ظل ارتفاع تكاليف الاحتياجات الأساسية وصعوبة تلبية متطلبات الحياة، ما يجعل الأعباء الاقتصادية تمتد آثارها إلى جوانب أخرى من حياة الفرد والأسرة.
وبهذا السياق قال الأخصائي النفسي والمختص في تعديل السلوك خالد عطية، في حديثه لصحيفة الأنباء الليبية، إن مجتمعنا الليبي يعاني من أزمة اقتصادية معيشية سيئة جدا فاقت جميع المقاييس كدولة نفطية غنية يفترض أن شعبها يعيش برفاهية وحياة معيشة أفضل في جميع الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والصحية والترفيهية، وللأسف هذا لا يتوفر للمواطن الليبي البسيط والذي من المفترض أن لا يكون وضعه بسيطا بل يكون وضعه يليق به كفرد من أفراد هذه الدولة التي أصبح أفرادها يتجهون في حياتهم المعيشية تحت خط الفقر، وهذا ما سوف نشهده في السنوات القادمة من غلاء فاحش في الأسعار في كافة المنتجات التي يستهلكها المواطن الليبي بل وفي احتياجاته الخاصة من دواء وعلاج ورعاية أولية.
وأضاف عطية أن جميع الوعود بزيادة المرتبات تعتبر أضحوكة على المواطن الليبي، فزيادة المرتبات تعني زيادة الأسعار بسبب ارتفاع سعر الدولار لأنهم لم يعالجوا المشكلة الحقيقية التي يعاني منها المواطن الليبي وهي ارتفاع سعر الدولار وعدم التحكم في السوق والسلع والبيع والشراء وغيرها من المشاكل التي هم المسؤولون من يعرفها جيدا.
وأشار الأخصائي النفسي، إلى أن هذا كله له نتائجه السيئة والسلبية على المواطن بل على الأسرة وتماسكها وثباتها واستقرارها، فهذا كله يؤثر على نفسية الفرد بشكل خاص ويجعله يعاني معاناة حقيقية من الناحية النفسية مما يزيد من حالات القلق والتوتر وعدم الاستقرار النفسي فيزيد من اضطراباتهم ومشاكلهم النفسية التي يعانون منها منذ 2011 والتي لم تعالج إلى الآن.
وعبّر عطية عن أسفه للتحدث عن هذا بوضوح وبحياد مطلق لأنها مؤشرات خطيرة حذر من تداعياتها في مناسبات عدة ولكن دون جدوى ولا استجابة، مشيرًا إلى أنه كما يقال “الطبع يغلب التطبع”، فهدف أصحاب المناصب جمع المال بكل السبل والوسائل ولا يهمهم المجتمع ولا أفراده بل تهمهم فقط مصالحهم الشخصية فقط.
وأكد الأخصائي النفسي خالد عطية مرة أخرى أن مجتمعنا الليبي سوف يعاني معاناة حقيقية وصعبة للغاية إذا لم تتم معالجة ما ذكره.
ومن الجانب الاقتصادي، قال رئيس قسم الاقتصاد في جامعة بنغازي حلمي القماطي، في حديثه لصحيفة الأنباء الليبية، إن الفقر في ليبيا ليس قدرًا اقتصاديًا، بل نتيجة سياسات أهدرت الثروة وأضعفت القدرة الشرائية للمواطن، موضحًا بمناسبة اليوم الدولي للقضاء على الفقر أن تفاقم المعاناة المعيشية في ليبيا لا يمكن تفسيره بارتفاع الأسعار وحده، بل يجب البحث في السياسات النقدية والمالية والاقتصادية التي أدت إلى تآكل القوة الشرائية للمواطن، رغم ما تمتلكه البلاد من ثروات نفطية وإمكانات مالية كان يفترض أن تضمن مستوى معيشيًا أفضل للسكان.
وأكد القماطي أن جوهر الأزمة الليبية يكمن في التناقض بين وفرة الموارد العامة وتراجع الرفاه الاقتصادي للأسر؛ فليبيا ليست دولة فقيرة بالموارد، وإنما تعاني من اختلالات في إدارة الثروة وتوزيع عوائدها، وضعف كفاءة الإنفاق العام، وغياب السياسات الاقتصادية القادرة على تحويل الإيرادات النفطية إلى تنمية مستدامة وفرص عمل وتحسن ملموس في مستوى المعيشة.
وأوضح رئيس قسم الاقتصاد، أن الفقر لا يُقاس فقط بمقدار ما يتقاضاه المواطن من دخل، وإنما بقدرته الحقيقية على شراء احتياجاته الأساسية. فعندما ترتفع أسعار الغذاء والدواء والسكن والخدمات، بينما تظل الدخول عاجزة عن مواكبة هذه الزيادات، فإن المواطن يتعرض لانخفاض فعلي في دخله الحقيقي، حتى لو لم ينخفض راتبه الاسمي. ومن ثم، فإن الراتب الذي كان يكفي الأسرة لتغطية احتياجاتها بالأمس قد لا يكفيها اليوم، وهو ما يعكس تراجعًا في مستوى المعيشة وتآكلًا في القيمة الاقتصادية للدخل.
وذكر القماطي أن السياسات الاقتصادية التي أوصلت المواطن إلى هذا المستوى من المعاناة لا يمكن فصل بعضها عن بعض؛ إذ أسهمت الاختلالات المالية، والتوسع غير المنضبط في الإنفاق الجاري، والاعتماد المفرط على الاستيراد، وضعف الإنتاج المحلي، واضطرابات سوق الصرف، وتعدد أسعار النقد الأجنبي وتكاليف الحصول عليه، في زيادة الضغوط على الأسعار وإضعاف استقرار الاقتصاد.
ولفت إلى أن اختلال سوق الصرف ليس مجرد مشكلة تخص المتعاملين بالدولار، بل هو مشكلة تمس الأمن المعيشي لكل أسرة ليبية؛ لأن الاقتصاد المعتمد على الاستيراد ينقل آثار ارتفاع تكلفة النقد الأجنبي إلى أسعار السلع والخدمات. وعندما تتراجع قيمة الدينار أو ترتفع تكلفة الحصول على العملة الأجنبية، يتحمل المواطن جزءًا كبيرًا من التكلفة عبر ارتفاع الأسعار، حتى إن لم يكن طرفًا في سوق الصرف.
وبيّن القماطي أن من الخطأ التعامل مع الأزمة باعتبارها مجرد نقص في السيولة أو مشكلة يمكن حلها بضخ الأموال وزيادة المرتبات، فضخ السيولة دون معالجة الاختلالات التي تحكم العرض والطلب على النقد الأجنبي، ودون ضبط الإنفاق وتحسين الإنتاجية، قد يزيد الضغوط التضخمية بدلًا من أن يعالج جذور المشكلة. كما أن زيادة الأجور، إذا لم تترافق مع استقرار الأسعار وتحسن الإنتاجية، قد تتحول إلى زيادة اسمية تلتهمها موجات الغلاء.
وأضاف رئيس قسم الاقتصاد، أن الخلل الأعمق يتمثل في غياب الاتساق بين السياسة المالية والسياسة النقدية والسياسة التجارية؛ إذ لا يمكن للمصرف المركزي وحده أن يحقق الاستقرار النقدي في ظل إنفاق عام غير منضبط، وطلب متزايد على النقد الأجنبي، واعتماد واسع على الواردات، كما لا تستطيع السياسة المالية تحقيق الاستقرار إذا ظلت إدارة الإيرادات النفطية والإنفاق العام خاضعة لضغوط المصالح والاعتبارات قصيرة الأجل، بدلًا من قواعد اقتصادية واضحة ومستدامة.
ونوه القماطي إلى أن وصول نسبة السكان عند خط الفقر إلى نحو 42% يمثل إنذارًا اجتماعيًا واقتصاديًا بالغ الخطورة، إلا أن اعتمادها علميًا يتطلب التحقق من مصدرها وسنة القياس والمنهجية المستخدمة في تحديد خط الفقر. فخطورة الظاهرة لا تبرر التهاون في دقة بياناتها، بل تستوجب بناء قاعدة معلومات وطنية تقيس الفقر النقدي، والفقر متعدد الأبعاد، وتفاوت تكاليف المعيشة بين المناطق والفئات الاجتماعية.
وأوضح أن مواجهة الفقر في ليبيا تتطلب الانتقال من إدارة الأزمة إلى إصلاح أسبابها، من خلال حماية القوة الشرائية للدينار، وتحسين إدارة الإيرادات النفطية، وترشيد الإنفاق العام دون تحميل الفئات محدودة الدخل تكلفة الاختلالات المالية، وإصلاح سوق الصرف، ومكافحة الفساد والريع، ودعم الإنتاج المحلي، وتطوير شبكات حماية اجتماعية تصل إلى مستحقيها وفق بيانات دقيقة.
واختتم القماطي تصريحه بقوله: “إن المأساة الاقتصادية الحقيقية ليست في أن تكون الدولة محدودة الموارد، بل في أن تمتلك موارد ضخمة ثم يعجز جزء من مواطنيها عن تأمين احتياجاتهم الأساسية، فالثروة النفطية لا تُقاس بما يدخل الخزانة العامة فقط، وإنما بما تحققه من أمن معيشي وكرامة إنسانية وعدالة في توزيع الفرص”.(الأنباء الليبية – بنغازي) أ د
متابعة: فاطمة الورفلي