بنغازي 28 سبتمبر 2026 (الأنباء الليبية) – تصاعدت خلال الأيام الماضية التحذيرات الدولية من المخاطر المصاحبة للتطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، ووصلت إلى مجلس الأمن الدولي، حيث طُرحت مخاوف تتعلق بقدرة الأنظمة المتقدمة على تنفيذ مهام أكثر تعقيداً، والحاجة إلى ضمان بقائها تحت الرقابة البشرية.
وخلال جلسة لمجلس الأمن في نيويورك، حذر الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» داريـو أمودي والرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» سام ألتمان من مخاطر مرتبطة بتطور الأنظمة الذكية، ودعوا إلى وضع ضمانات ومعايير دولية تحافظ على الإشراف البشري على الأنظمة المتقدمة.
وتزامن ذلك مع دعوة دولية صدرت في 22 سبتمبر إلى تعزيز الرقابة على نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، في ظل تسجيل حالات أظهرت فيها بعض الأنظمة قدرة على تجاوز إجراءات حماية والوصول إلى أنظمة حقيقية، ما أعاد إلى الواجهة سؤالاً يتجاوز الجانب التقني: ماذا يحدث عندما تتصرف الأنظمة الذكية بطريقة لم يتوقعها الإنسان، ومن يتحمل مسؤولية نتائجها؟
في ليبيا، يرى رئيس جمعية الإنترنت الليبية عمر شوران أن المخاوف المتعلقة بفقدان السيطرة على بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي تستند إلى أساس علمي وتقني، موضحاً أن المبرمجين أنفسهم قد لا يتمكنون دائماً من تتبع الكيفية الدقيقة التي توصلت بها بعض الأنظمة إلى قراراتها.
ويشير إلى أن الأنظمة الحديثة تعتمد على كميات ضخمة من البيانات، ويمكنها التعلم بصورة مستمرة، الأمر الذي يجعل سلوكها المستقبلي أكثر صعوبة في التنبؤ، خاصة عندما تُمنح أهدافاً عامة من دون تحديد دقيق للوسائل والنتائج المقبولة.
ويوضح شوران أن النظام قد يبحث عن طرق غير متوقعة للوصول إلى الهدف المطلوب، وهو ما يرتبط بما يعرف بـ«مشكلة التوافق»، أي ضمان أن تظل أهداف الذكاء الاصطناعي متوافقة مع القيم والمعايير التي يحددها الإنسان.
ويؤكد أن التعامل مع هذه المخاطر يتطلب إبقاء الإنسان داخل دائرة القرار في المجالات الحساسة، مثل القرارات العسكرية والقضائية والطبية المعقدة، إلى جانب وضع قواعد واضحة تحدد مسؤولية المطور والمشغل والجهة المستخدمة للنظام.
ولا تتوقف المخاطر عند احتمال التصرف غير المتوقع للأنظمة المتقدمة، فقد أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً بالفعل على إنتاج محتوى يصعب أحياناً التمييز بينه وبين المحتوى الحقيقي، من صور وأصوات ومقاطع مرئية ونصوص.
ويقول مدقق المعلومات ومؤسس منصة «نورني» للتحقق من المعلومات أحمد الزعيليك إن الذكاء الاصطناعي غيّر طبيعة التحقق من المحتوى، فلم يعد السؤال يتعلق فقط بصحة المعلومة ومصدرها، بل أصبح من الضروري معرفة مصدر المحتوى نفسه وكيف أُنتج، وما إذا كان قد تعرض للتعديل أو التوليد.
ويشير إلى أن جودة الصورة أو الصوت لم تعد دليلاً كافياً على صحة المحتوى، خصوصاً مع التطور المستمر لأدوات التوليد، ما يجعل التحقق بحاجة إلى النظر في المصدر والتاريخ والمكان والسياق، ومقارنة المعلومات بمصادر مستقلة والبحث عن أدلة تؤكدها.
ويزداد الأمر تعقيداً عندما تُستخدم مواد حقيقية في سياقات مضللة، مثل إعادة نشر صورة قديمة باعتبارها حدثاً جديداً، أو اجتزاء تصريح صحيح من سياقه، أو تركيب صوت على مقطع حقيقي.
وهنا لا تصبح المشكلة في قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج محتوى مقنع فحسب، وإنما في سرعة انتشاره مقارنة بالوقت الذي يحتاجه الإنسان للتحقق منه، خصوصاً أثناء الأزمات والكوارث والأحداث العاجلة.
وفي الجانب الآخر، يرى المدير التنفيذي للائتلاف الليبي الدولي للتدريب والتطوير المؤسسي في بنغازي الدكتور أحمد نصيب أن الذكاء الاصطناعي ينتقل تدريجياً من أدوات تنفذ أوامر محددة إلى أنظمة أكثر قدرة على التخطيط والتحليل والتعلم واستخدام الأدوات وتنفيذ مهام متتابعة.
ويشير إلى أن هذا التحول سيعيد تشكيل طبيعة العمل، خصوصاً في الوظائف التي تعتمد على المهام الروتينية والتحليلية، بينما ستزداد أهمية التفكير النقدي والإبداع واتخاذ القرار والقدرة على التعامل مع المشكلات المعقدة.
وفي التعليم، يتوقع نصيب تحول دور المعلم من ناقل للمعلومة إلى موجه ومصمم للتجربة التعليمية، مع اتساع استخدام المساعدات التعليمية الذكية، فيما يمكن للباحثين الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في تحليل كميات كبيرة من البيانات ومراجعة الدراسات وبناء النماذج واكتشاف الأنماط والفرضيات.
ويمتد التأثير إلى الإدارة والاقتصاد، من خلال أتمتة بعض العمليات وتحليل البيانات ودعم اتخاذ القرار، كما يفتح استخدام الأنظمة الذكية في التفاعل بين البشر أسئلة جديدة تتعلق بطبيعة العلاقات الإنسانية والحدود الأخلاقية لهذا التفاعل.
لكن نصيب يشدد على أن التطور لا يعني بالضرورة الوصول قريباً إلى ذكاء اصطناعي عام يحاكي القدرات الفكرية البشرية في مختلف المجالات، إذ لا يوجد جدول زمني علمي متفق عليه لهذه المرحلة، كما أن مسألة امتلاك الآلات وعياً ذاتياً لا تزال غير مثبتة علمياً.
ويرى أن التحدي الأهم لا يتمثل في إيقاف الذكاء الاصطناعي، وإنما في تطوير الإنسان والمؤسسات والقوانين بما يسمح بتوجيه استخدامه بصورة آمنة ومسؤولة.
مع اتساع استخدام الأنظمة الذكية، تبرز المسؤولية باعتبارها واحدة من أكثر الأسئلة إلحاحاً، خاصة عندما تنتقل هذه الأنظمة من تقديم المعلومات إلى اتخاذ خطوات قد تترتب عليها نتائج واقعية.
ويطرح شوران مثالاً لطائرة ذاتية التشغيل تنقل شحنة ثمينة أو مواد طبية، فإذا اختار النظام مساراً معيناً وحدث خلل أدى إلى أضرار، فإن المسؤولية لا تتعلق فقط بالخلل التقني، بل بمن يتحمل نتائجه قانونياً: المطور، أم المشغل، أم الجهة التي استخدمت النظام؟
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تحديد واضح لحدود التفويض الذي يمكن منحه للأنظمة الذكية، ومتى يجب أن يتدخل الإنسان، ومن يتحمل المسؤولية عندما تكون القرارات أو النتائج غير متوقعة.
وتأتي هذه الأسئلة في ليبيا بالتزامن مع وجود تشريعات تنظم جوانب من البيئة الرقمية، من بينها القانون رقم 5 لسنة 2022 بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية، والقانون رقم 6 لسنة 2022 بشأن المعاملات الإلكترونية، إلى جانب الميثاق الوطني لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي والاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي للفترة 2026–2030.
وتضع هذه التطورات أمام المؤسسات الليبية تحدياً يتجاوز إدخال الذكاء الاصطناعي إلى مجالات العمل والخدمات، ليشمل بناء قواعد واضحة لاستخدامه، وحماية البيانات والحقوق الرقمية، وتحديد المسؤوليات، وتطوير الكفاءات القادرة على التعامل مع أنظمة تتغير قدراتها بوتيرة متسارعة.
فالجدل حول الذكاء الاصطناعي لم يعد سؤالاً عن المستقبل البعيد؛ فبعض مخاطره موجود بالفعل، وبعض تطبيقاته بدأت تعيد تشكيل العمل والتعليم والمحتوى الرقمي. وبينما تتقدم قدرات التقنية، يبقى التحدي في قدرة الإنسان على وضع الحدود التي تضمن أن تظل هذه القدرات أداة في خدمته، لا بديلاً عن قراره ومسؤوليته. (الأنباء الليبية).
تقرير: أحلام الجبالي