بنغازي 23 أغسطس 2026 (الأنباء الليبية)- يشهد الجنوب الليبي، ولا سيما منطقة فزان، تنفيذ حزمة من مشروعات البنية التحتية والطرق والجسور، بالتوازي مع الاستعداد لإطلاق مشروعات إسكانية وخدمية جديدة، في إطار جهود تستهدف تحسين الخدمات وتعزيز حركة النقل وتهيئة بيئة مواتية للنشاط الاقتصادي والاستقرار السكاني.
ويتولى الجهاز الوطني للتنمية وصندوق تنمية وإعمار ليبيا تنفيذ عدد من هذه المشروعات، وسط تأكيدات على أهمية أن تتجاوز جهود الإعمار تنفيذ البنية التحتية إلى تأسيس أنشطة اقتصادية وإنتاجية تستفيد منها، بما يعزز العائد التنموي للاستثمارات في الجنوب.
وقال رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي، الدكتور حلمي القماطي، إن أهمية التنمية في فزان والجنوب لا ترتبط بحجم المشروعات المنفذة فحسب، وإنما بقدرتها على الإسهام في بناء اقتصاد محلي مستدام، داعياً إلى الانتقال من مفهوم “تنمية المكان” إلى “بناء اقتصاد المكان”.
وأوضح القماطي، في تصريح لوكالة الأنباء الليبية، أن الطرق والمطارات ومشروعات البنية التحتية تمثل أساساً مهماً للتنمية، غير أن أثرها الاقتصادي يظل مرتبطاً بقدرتها على خدمة الإنتاج والاستثمار والتجارة وتوفير فرص العمل، بما يجعلها جزءاً من منظومة اقتصادية متكاملة وليست هدفاً قائماً بذاته.
وأشار إلى أن الزراعة تمثل أحد القطاعات القابلة للتوسع في فزان، من خلال تطوير الأنشطة المرتبطة بالإنتاج الزراعي، بما يشمل التخزين والتبريد والتعبئة والتصنيع الغذائي والنقل والتسويق، بما يسهم في رفع القيمة المضافة للمنتجات وتوفير فرص عمل جديدة.
كما لفت إلى الموقع الجغرافي للجنوب وما يوفره من فرص لتطوير التجارة والخدمات اللوجستية، بالنظر إلى امتداد فزان نحو دول الساحل والأسواق الأفريقية، موضحاً أن إنشاء مناطق لوجستية ومستودعات ومراكز جمركية وتطوير خدمات النقل والتمويل التجاري يمكن أن يعزز دور المنطقة كمركز للخدمات والتبادل التجاري، بدلاً من اقتصار دورها على العبور.
من جانبه، قال المستشار والخبير الاستراتيجي في التنمية الاقتصادية خالد الكاديكي إن الموقع الجغرافي لفزان يؤهلها للقيام بدور مهم في حركة التجارة بين ليبيا ودول الجوار، ولا سيما تشاد والنيجر ودول الساحل، إلى جانب ما تتمتع به المنطقة من موارد طبيعية تشمل النفط والغاز والمياه الجوفية والطاقة الشمسية والأراضي الزراعية في عدد من الواحات.
وأوضح الكاديكي، في تصريح لوكالة الأنباء الليبية، أن مدينة سبها يمكن أن تؤدي دوراً محورياً كمركز للنقل والخدمات والتجارة والتمويل في الجنوب، مشيراً إلى أن تطوير الممرات البرية وربطها بمناطق الإنتاج والتخزين والتصنيع يمكن أن يدعم توسع النشاط الاقتصادي ويعزز حركة السلع والخدمات.
وتشمل مشروعات البنية التحتية الجاري تنفيذها في الجنوب المرحلة الثانية من طريق سوكنة–سبها بطول يقارب 290 كيلومتراً، إلى جانب عدد من مشروعات الطرق والجسور داخل مدينة سبها، في إطار جهود تستهدف تحسين الربط بين مدن الجنوب وباقي مناطق البلاد وتسهيل حركة المواطنين والبضائع.
ويرى الكاديكي أن الأثر الاقتصادي لهذه المشروعات يرتبط بوجود أنشطة إنتاجية وتجارية قادرة على الاستفادة منها، موضحاً أن خفض تكاليف النقل وتحسين حركة البضائع ينبغي أن يترافقا مع تطوير منتجات زراعية وصناعية وخدمات وأنشطة سياحية قابلة للتسويق والنقل.
وفي القطاع السياحي، أشار القماطي إلى أن فزان تمتلك مقومات يمكن توظيفها في السياحة الصحراوية والثقافية والأثرية والبيئية، في ظل ما تزخر به من واحات ومواقع أثرية وطرق تاريخية وتنوع ثقافي، إلى جانب إمكانية تطوير الحرف التقليدية والإقامة المحلية والمطاعم والفعاليات المرتبطة بالموروث الثقافي.
ويرتبط مسار التنمية في الجنوب، بحسب القماطي، بملف الاستقرار السكاني والهجرة الداخلية، إذ يمكن لتوفير فرص العمل وتحسين التعليم والتدريب والخدمات الصحية والرقمية ودعم المشروعات الصغيرة وتوفير السكن أن يسهم في الحد من انتقال السكان إلى المدن الكبرى بحثاً عن فرص اقتصادية وخدمية أفضل.
وأكد أن الاستقرار السكاني يرتبط بتوفير ظروف اقتصادية واجتماعية مناسبة، مشيراً إلى أن التخطيط لمشروعات الإعمار ينبغي أن يراعي الأنشطة الاقتصادية التي ستخدمها، والفئات المستفيدة منها، والأسواق التي ستوجه إليها المنتجات والخدمات.
بدوره، قال الكاديكي إن الهدف خلال السنوات المقبلة يتمثل في تعزيز قدرة فزان على الانتقال تدريجياً من الاعتماد على الإنفاق العام إلى توسيع قاعدة الإنتاج واللوجستيات والتجارة والزراعة والصناعة والطاقة المتجددة.
وأشار إلى أن تقييم نتائج مشروعات التنمية لا ينبغي أن يقتصر على حجم الإنفاق أو عدد المشروعات المنفذة، وإنما يجب أن يمتد إلى ما تولده من نشاط اقتصادي وفرص عمل واستثمارات قادرة على الاستمرار بعد اكتمال مراحل التنفيذ. (الأنباء الليبية) ك و
تقرير: فاطمة الورفلي